الاصطفاف خلف القضية الجنوبية: بين الأخطاء والضرورة الوطنية.

كتب/ بشير الهدياني.
أنا من بين أولئك الذين تضرروا فعليًا من المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا أمتلك وظيفة، ولم أتمكن من مقابلة رئيسه، وكثيرًا ما وجّهت له نقدًا صريحًا. ومع أنني معروف وجريح وإعلامي، أتحدث هنا من هذا المنطلق تحديدًا، لا من موقع التبعية أو المجاملة. فالمجلس، في تقديري، كغيره من الكيانات السياسية، له ما له وعليه ما عليه، له خصوصيته وأخطاؤه، وليس كيانًا مقدسًا أو فوق النقد.
لكن، وبعيدًا عن الخلافات والتباينات، يظل المجلس الانتقالي اليوم هو الحامل السياسي الأبرز للقضية الجنوبية، بحكم الواقع، وبحكم التفاف شريحة واسعة من الجنوبيين حوله، وباعتباره الممثل الذي راكم حضورًا سياسيًا وأمنيًا على الأرض. وقد عمل، خلال السنوات الماضية، على إنشاء هياكل تنظيمية تمثلت في قيادات محلية على مستوى المحافظات والمديريات، وهي خطوة – رغم الملاحظات – أراها إيجابية في جوهرها، لأنها تُعيد الاعتبار لفكرة التنظيم المؤسسي، وتفتح الطريق أمام ترميم النسيج المجتمعي، بدل الفوضى والتشظي.
ما أود قوله بوضوح، ودون مواربة، هو أن ما شهدناه مؤخرًا من أحداث، وما رافقها من استهداف مباشر للقوات الجنوبية، ومحاولة المساس برئيس المجلس الانتقالي اللواء عيدروس الزُبيدي، لا يمكن قراءته بمعزل عن كونه محاولة مكشوفة لتصفية القضية الجنوبية سياسيًا وعسكريًا. وعند هذه النقطة الفاصلة، يصبح الاصطفاف إلى جانب المجلس الانتقالي موقفًا وطنيًا مشروعًا، لا دفاعًا عن أخطائه، بل دفاعًا عن جوهر القضية الجنوبية ذاتها.
ومن هنا، يثير الاستغراب حجم الحملة الإعلامية الشرسة التي تُشن اليوم ضد المجلس الانتقالي، وضد رئيسه، عبر محاولات يائسة لربط القضية الجنوبية بمشاريع إقليمية مزعومة، أو الزج بها في سرديات تتحدث عن أدوار تقودها إسرائيل، وهي ادعاءات لا تستند إلى منطق ولا واقع. فالقوات الجنوبية، بشهادة القاصي والداني، قوات ذات عقيدة عربية صريحة، وكانت ولا تزال شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب في الجنوب واليمن عمومًا، وقد دفعت أثمانًا باهظة في هذا المسار.
وحتى نُغلِق باب الشك والالتباس، أقولها بوضوح: إذا كانت المملكة العربية السعودية جادة في دعم تطلعات شعب الجنوب لاستعادة دولته، فلا مشكلة في ذلك على الإطلاق. السعودية هي راعية الحوار، ولديها وفود تمثل مختلف المكونات الجنوبية، وجميعها تتحدث عن جنوب وهوية جنوبية وقضية واحدة. المطلوب فقط هو صدق النوايا، والانتقال من إدارة الأزمة إلى حل جذري وعادل للقضية الجنوبية، عبر حوار جنوبي–جنوبي حقيقي، يعقبه مسار سياسي واضح بزمن محدد.
أما الاستمرار في سياسة أنصاف الحلول، أو ترحيل الأزمات، فلن يؤدي إلا إلى تكريس عدم الاستقرار، ليس في الجنوب وحده، بل في المنطقة بأسرها. وحينها، ستجد المملكة نفسها أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية وتاريخية، ليس فقط أمام المجتمع الدولي، بل أمام شعب الجنوب الذي سئم الوعود المؤجلة والمعالجات المؤقتة.
رسالتي الصادقة للأشقاء في السعودية: إن أردتم استدامة للاستقرار، ومكانة تاريخية تُذكر لا تُنسى، فعليكم التعامل مع القوى التي تمتلك مشروعية حقيقية على الأرض، عبر حلول واقعية وجادة، لا عبر الضغوط أو الالتفاف. فذلك وحده سيكون مفتاح الحل للملف اليمني عمومًا، والجنوبي على وجه الخصوص.
ورسالة أخيرة للجميع: الحفاظ على اللُحمة العربية مسؤولية جماعية، وتحكيم العقل واجب أخلاقي وسياسي، والنظر إلى الأمور بعين المسؤولية الوطنية لا بمنطق الاستقواء أو كسر الإرادات.
وبالله الحول والقوة.



