عدن لا تحتاج مزيداً من السلاح

نبيل غالب

القرارات الإدارية التي نفذتها اللجنة الأمنية مؤخراً في العاصمة عدن ببعض الأقسام الأمنية الرئيسية، تبدو للوهلة الأولى مجرد استلام وتسليم روتيني. لكن عند قراءتها بتأنٍ، تكشف عن فلسفة جديدة تتبناها قيادة الشرطة. فلسفة تقوم على كسر جمود “شيخ القسم” واستبداله بمبدأ “الكفاءة الميدانية”.

عملية تدوير مدروسة لعدد من مدراء الأقسام في يوم واحد، هي رسالة واضحة للشارع وللداخل الأمني معاً: لا أحد يملك القسم، ولا أحد فوق المحاسبة، والمنصب تكليف لا تشريف.

السؤال الأهم: لماذا الآن؟ عدن تجاوزت مرحلة الصراع على السيطرة الأمنية ودخلت مرحلة أصعب، وهي إدارة الأمن اليومي. المواطن لم يعد يسأل “من يحكم؟” بل يسأل “كم دقيقة حتى تصل الدورية؟” و”هل ستُسمع شكواي؟”. هذا التحول في وعي الناس فرض على قيادة الأمن أن تختار ضباط ميدان يعرفون نبض الشارع، لا ضباط مكاتب.

حضور لجنة الرقابة والتفتيش وشؤون الضباط والأفراد والتوجيه أثناء إجراءات التسليم، يؤكد أن القرار مدروس ومبني على تقييم أداء، لا على مجاملات. الهدف المباشر هو رفع وتيرة العمل الأمني وتحويل أقسام الشرطة من مجرد مكاتب لاستقبال الشكاوى إلى غرف عمليات مصغرة سريعة الاستجابة.

لكن نجاح هذه التجربة لا يتوقف عند كفاءة القيادة الميدانية الجديدة. أخطر تحدٍ يواجه النموذج القادم هو معضلة المجتمع نفسه. فالأمن الوقائي الذي تراهن عليه قيادة الأمن لا يمكن أن ينجح إذا ظل المواطن متلقياً سلبياً. المعادلة تغيرت: أصبحت كفاءة رجل الأمن زائد معلومات المواطن تساوي جريمة تُمنع قبل أن تقع.

إذا استمرت عقلية “ادفع لتمشي معاملتك” أو “بلغ بعد ما تنتشر الفضيحة على الواتساب”، فسنكون نحن من نقتل هذه التجربة بأيدينا. الكفاءة العالية تحتاج بيئة نظيفة تشتغل فيها، والبيئة النظيفة تبدأ برفض الرشوة والواسطة والسكوت عن المخالفة.

الاختبار الحقي لهذه التعيينات سيظهر خلال الأسابيع القادمة بثلاثة مقاييس بسيطة يفهمها كل مواطن: هل انخفضت مدة الاستجابة للبلاغ؟ هل تراجعت شكاوى الابتزاز داخل الأقسام؟ وهل بدأ الناس يثقون بالقسم الجديد لدرجة يبلغون عن الخطر قبل وقوعه؟ إذا تحققت إجابة “نعم” على سؤال واحد على الأقل، فسنكون أمام بداية نموذج مختلف.

ما تقوم به قيادة شرطة العاصمة عدن اليوم هو رهان جريء على أن المدينة لا تحتاج مزيداً من السلاح، بل مزيداً من الإدارة. رهان على أن أمن المجتمع لا يُبنى بالبيانات فقط، بل بثقة تُبنى بين رجل الأمن والمواطن. القيادات الميدانية الجديدة جاءت بتكليف واضح ومعايير كفاءة عالية، والكرة الآن في ملعب المجتمع: هل سيصافح اليد الممدودة ويتفاعل بإيجابية مع التغيير، أم سيقف متفرجاً ينتظر الفشل ليقول “قلنا لكم”؟

للتأمل:
المجتمعات التي تحمي نفسها هي التي تدرك أن حمايتها مسؤولية مشتركة، وأن رجل الأمن الكفء يستحق مواطناً واعياً.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار