حين تبكي الجبهات بصمت… يكون الخطر قد بدأ

الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب

في الحروب، لا تكون الكارثة دائمًا عندما يعلو صوت المدافع، بل عندما يسود الصمت، صمت الجبهة… وصمت من يفترض أنهم يسمعونها.

محافظة الضالع ليست بحاجة إلى من يكتشف بطولتها؛ فقد فعلت ذلك منذ سنوات… وليست بحاجة إلى شهادات تقدير جديدة، فالمتارس كتبت سيرتها بدماء رجالها.

لكنها بحاجة إلى شيء أكثر تواضعًا من الخطب، وأكثر قيمة من التصفيق… بحاجة إلى أن يشعر من يقف في الخطوط الأولى أنه ليس وحده.

في كل مرة تذكر فيها الضالع، تنهال عليها الألقاب حتى يخيل للمرء أنها أكثر الجبهات حظًا على وجه الأرض.

“قلعة الصمود”… “رأس الحربة”… “خط الدفاع الأول”… ثم ينتهي الخطاب، وتبدأ الحقيقة.

حقيقة أن الجبهة لا تحرسها البلاغة، ولا تطعمها الشعارات، ولا تُسندها العبارات المنمقة.

في المشهد أن الجميع يريد أن يكون شريكًا في النصر، لكن القليل فقط يريد أن يكون شريكًا في كلفة الصمود.

الجميع يلتقط صورة مع البطولة، أما حين يحين موعد المسؤولية، تصبح الكاميرات أوضح من الرؤية، وتصبح الكلمات أسرع من الأفعال.

يبدو أن بعض العقول السياسية اكتشفت معادلة عجيبة: كلما صمدت الجبهة أكثر، قلّت حاجتها إلى الدعم!

وكأن الصمود عقوبة، لا دليلًا على الاستحقاق.

وكأن من ينجح في حماية الأرض، يكافأ بمزيد من الانتظار.

أي منطق هذا؟

هل أصبح ثبات المقاتل سببًا للاطمئنان إلى أنه سيواصل القتال مهما كانت الظروف؟

وهل تحولت التضحية إلى مورد مجاني لا ينضب؟

الجبهة لا تبكي أمام الناس، لكنها تبكي بصمت… تبكي عندما ترى الوعود تصل أسرع من الإمدادات، وعندما تسمع التصفيق يسبق الدعم، وعندما تشعر أن الجميع يتذكرها في الخطب، وينساها عند ترتيب الأولويات.

وأقسى ما في السخرية أن الخطر لا يعلن عن نفسه بصوت مرتفع، إنه يبدأ همسًا… يبدأ عندما يعتاد الجميع على أنها سوف تصمد مهما حدث، وأن رجالها سيتحملون كل شيء، وأن الوقت لا يزال طويلًا، لكن التاريخ لا يرحم هذا النوع من الاطمئنان.

فالجبهات لا تنهار في يوم واحد، بل تتآكل بصمت عندما يصبح الصمود بديلًا عن الإسناد، وعندما تتحول البطولة إلى ذريعة لتأجيل الواجب.

ليس المطلوب صناعة عدو جديد، ولا توزيع الاتهامات، بل مراجعة الأولويات قبل أن تتحول الحسرة إلى خطاب رسمي آخر، وقبل أن تصبح عبارات “كانوا أبطالًا” بديلًا عن عبارة “كنا معهم”.

لأن الوطن لا يحميه من يصفق للجبهات… بل من يقف معها وهي تقاتل.

ولأن الضالع لا تحتاج إلى مراث جديدة، بل إلى أفعال تجعلها لا تكتب مرثيتها بنفسها.

حين تبكي الجبهات بصمت… يكون الخطر قد بدأ، وعندما يسمع الجميع بكاءها بعد فوات الأوان، يكون الجميع قد خسر.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار