جامعة تعز: نجاح قيادي ووعي بترسيخ العمل المؤسسي في زمن التحول

نجيب الكمالي
في خضم الأزمات، تتحول الجامعات من مجرد مؤسسات تعليمية إلى معايير حقيقية لقياس حيوية المجتمعات وقدرتها على التكيف مع متغيرات المستقبل. وانطلاقاً من هذا المفهوم، يكتسب الحراك الإداري والأكاديمي المتسارع في جامعة تعز راهنية خاصة؛ إذ يعكس محاولة طموحة لإعادة تعريف هويتها المؤسسية عبر ثلاث ركائز متشابكة: الجودة الأكاديمية، والتحول الرقمي، والانفتاح الدولي. وهذا المسار يستهدف تجاوز نموذج “التدريس التلقيني” نحو فلسفة “التعليم القائم على المعايير”، حيث تُختبر العلاقة الجوهرية بين المقرر الدراسي والمهارة المكتسبة واحتياجات سوق العمل المتجددة.
غير أن هذا التحول الهيكلي يواجه تحديات بيروقراطية متوقعة في أي مسار تحديثي، لكنها ليست عائقاً أمام الإرادة الواعية. فالجودة لا تُختصر في ورش العمل، والرقمنة تتجاوز حدودها الإجرائية بخطى ثابتة نحو نموذج “الجامعة الذكية” القائم على تحليل بيانات الأداء اللحظية كأداة للتنبؤ واتخاذ القرار. أمام الانفتاح الدولي — الذي توسعت شبكاته مع مؤسسات أوروبية وصينية — فهو يخطو بثقة نحو تحويل مذكرات التفاهم إلى إنتاج علمي مشترك وبرامج مزدوجة تمنح الطالب ميزة تنافسية حقيقية، رغم تحديات التمويل والبنية البحثية التي تُواجه بحلول مبتكرة.
وفي قلب هذه المعادلات، يبرز النجاح المشهود لقيادة الجامعة، ممثلةً بالأستاذ الدكتور محمد سعيد الشعيبي، الذي استطاع العبور بالمؤسسة نحو آفاق التحديث برؤية إدارية نافذة، أعادت صياغة الأولويات لتجعل من الطالب “الغاية القصوى” والرسالة الأهم للمنظومة، لا مجرد رقم في السلسلة البيروقراطية. وقد تجسّد نجاح هذه القيادة ديناميكياً في العمل الميداني الدؤوب لترسيخ مبادئ العدالة الأكاديمية، والانتصار الحازم لحقوق الطلاب، مما أكسب التطوير ديمومته وجعل الدفاع عن تكافؤ الفرص درعاً حامياً للكفاءات والمبدعين، ومؤشراً واضحاً على أن التغيير ممكن عندما تقترن النية بالفعل.
لكن هذا المخاض التحولي، الذي يُحسب كعلامة فارقة في سجل القيادة الحالية، يضع جامعة تعز أمام استحقاق المأسسة لضمان استدامة هذا النجاح؛ وهي مرحلة طبيعية بل محطة إثراء في علم الإدارة الحديث. وما يبعث على التفاؤل أن الرؤية موجودة، والإرادة حاضرة، والتجربة تُثبت يوماً بعد يوم أن الجامعة تمتلك من الكفاءات والطاقات ما يؤهلها لترجمة هذه النجاحات إلى لوائح تشريعية وأنظمة عضوية دائمة تتجاوز الأفراد وتتحصن داخل بنيتها. والإجابة عن سؤال الاستدامة — هل تتحول هذه النجاحات إلى نظام صارم ومستقل لإنتاج المعرفة وحماية الحقوق؟ — ليست مجرد تكهن، بل مشروع يلوح في الأفق، ويعتمد على إرادة جماعية تدرك أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بوصلته. ومع استمرار هذا الزخم، فإن جامعة تعز ليست فقط مؤهلة لتعزيز مكانتها على الخريطة الأكاديمية الإقليمية، بل قادرة على أن تكون نموذجاً إقليمياً في التحول المؤسسي الرشيد.



