إلى متى يظل “مطرح الريان” عنوانًا للانتظار.. وهل تقترب لحظة الحسم أم أن المشهد لا يزال أسير الحسابات؟

موسى المليكي.
منذ سنوات، واليمن يعيش على إيقاع معارك مؤجلة، ومبادرات متعثرة، ووعود تتكرر أكثر مما تتحقق. وفي كل مرة تتصاعد فيها المؤشرات الميدانية، يعود السؤال نفسه ليفرض حضوره بقوة: هل اقتربت لحظة التحول الكبرى، أم أن المشهد لا يزال يدور في دائرة الانتظار؟
هذا السؤال لا يرتبط بمكان بعينه بقدر ما يعكس حالة عامة يعيشها الشارع اليمني، الذي أنهكته الحرب، واستنزفته الأزمات الاقتصادية والإنسانية، حتى أصبح يراقب التطورات بعيون تختلط فيها الآمال بالمخاوف.
المشهد اليمني اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالتحركات السياسية لا تنفصل عن المعادلات العسكرية، والملفات الإقليمية تتداخل مع الحسابات المحلية، بينما تظل مصالح القوى المختلفة عاملًا مؤثرًا في رسم مسار الأحداث. ولذلك فإن أي قراءة سطحية قد تبدو مغرية، لكنها غالبًا لا تعكس حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
خلال الأشهر الماضية، شهدت الساحة اليمنية تغيرات متسارعة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني. ومع كل تطور جديد، ترتفع التوقعات بقرب مرحلة مختلفة، لكن الواقع يثبت أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى لا تحكمه الرغبات وحدها، بل شبكة معقدة من التوازنات والاعتبارات.
هناك من يرى أن استمرار حالة الجمود لم يعد ممكنًا، وأن الضغوط المتراكمة قد تدفع الأطراف إلى خيارات جديدة. وفي المقابل، يرى آخرون أن الجميع يدرك حجم الكلفة التي دفعتها البلاد، وأن أي تصعيد جديد ستكون له آثار عميقة على المدنيين والاقتصاد والاستقرار.
وسط هذه الآراء المتباينة، يبقى المواطن اليمني هو الحلقة الأكثر تأثرًا. فهو لا ينتظر انتصار طرف على آخر بقدر ما ينتظر نهاية لسنوات طويلة من المعاناة، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحسن الخدمات، وعودة الحياة الطبيعية التي أصبحت بالنسبة لكثيرين حلمًا بعيد المنال.
لقد أثبتت التجربة أن الأزمات الطويلة لا تُقاس فقط بخريطة السيطرة أو بتغير خطوط التماس، بل تُقاس أيضًا بما تتركه من آثار في حياة الناس، وفي مستقبل الأجيال، وفي قدرة الدولة على النهوض من جديد. ولذلك فإن أي حديث عن المستقبل ينبغي أن يضع مصلحة اليمنيين في المقام الأول.
ويبقى السؤال الذي يتردد في المجالس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل: إلى متى يستمر الانتظار؟ لا أحد يملك إجابة قاطعة، لأن مستقبل اليمن يتوقف على قرارات معقدة تتجاوز الداخل إلى محيطه الإقليمي والدولي.
لكن ما يمكن الجزم به هو أن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الزمن الضائع، بل إلى مسار يفتح الباب أمام الاستقرار، ويعيد للدولة حضورها، ويمنح المواطنين فرصة لاستعادة حياتهم بعيدًا عن دوامة الصراع.
قد تختلف التحليلات، وتتباين التوقعات، وتتصادم الروايات، لكن الحقيقة الثابتة هي أن اليمن يستحق مستقبلًا أفضل مما عاشه خلال السنوات الماضية. وكل يوم يمر دون حلول حقيقية يعني مزيدًا من الأعباء على شعب دفع أثمانًا باهظة.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تتحول مرحلة الانتظار إلى مرحلة قرارات مسؤولة تُنهي حالة الاستنزاف، وتفتح صفحة جديدة يكون عنوانها الأمن والاستقرار والتنمية، لا استمرار الصراع. فالتاريخ لا يخلد الضجيج بقدر ما يخلد اللحظات التي وضعت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.



