طائرة واحدة… وأسئلة بحجم دولة: كيف فضحت الرحلة الإيرانية هشاشة معادلة السيادة في اليمن؟

موسى المليكي
ليست كل الطائرات مجرد وسيلة نقل، فبعضها يتحول إلى رسالة سياسية، وبعضها الآخر إلى بيان عسكري يكتب في السماء أكثر مما يكتب على الورق. وفي لحظة كاشفة تختزل المشهد اليمني بكل تناقضاته، بدت الطائرة الإيرانية وهي تشق الأجواء اليمنية وتغير مسارها بين مطارين وكأنها ترسم بخط سيرها حدود النفوذ وحدود العجز، وتعيد تعريف مفهوم السيادة في بلد أنهكته الحرب وتنازعته القوى المحلية والإقليمية والدولية.
لم تكن القضية مجرد رحلة جوية، بل اختبارًا عمليًا لهيبة الدولة، وامتحانًا لقدرة المؤسسات التي ترفع شعار استعادة الدولة وحماية السيادة. فالطائرة لم تعبر السماء فقط، بل عبرت أيضًا فوق الخطاب الرسمي، لتضعه أمام اختبار لم ينجح في اجتيازه. وبينما كانت البيانات الرسمية تتحدث عن السيادة، كانت الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة تمامًا، أكثر قسوة وأقل قابلية للتجميل.
لقد كشفت هذه الحادثة فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والقدرة التنفيذية، وبين لغة التهديد والواقع العسكري. فالدول لا تقاس بقوة بياناتها، بل بقدرتها على فرض قراراتها، ولا تقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بمدى سيطرتها الفعلية على حدودها ومجالها الجوي ومنافذها البرية والبحرية. أما عندما تصبح البيانات هي أقصى ما تستطيع السلطة إنتاجه، فإنها تتحول من أدوات ردع إلى اعتراف غير مباشر بالعجز.
المشهد بدا أكثر إيلامًا لأن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ووزارة الدفاع ظلوا، طوال السنوات الماضية، يؤكدون أن استعادة الدولة وحماية السيادة تمثل أولوية مطلقة. غير أن أي سيادة يمكن الحديث عنها إذا كانت الطائرات تتحرك وفق ترتيبات لا تملك الحكومة القدرة على منعها أو التحكم بها؟ وأي هيبة بقيت للدولة إذا كانت الوقائع الميدانية هي التي تصوغ السياسة، بينما تكتفي المؤسسات الرسمية بإصدار بيانات الإدانة؟
لقد بدا وكأن السماء اليمنية نفسها أصبحت تعكس الانقسام الذي يعيشه البلد؛ فهناك سلطة تتحدث باسم الجمهورية، وسلطات أخرى تفرض وقائعها على الأرض. وبين الخطابين، تتآكل فكرة الدولة شيئًا فشيئًا، حتى تصبح السيادة مجرد شعار يرفع في المناسبات، بينما تتوزع أدوات القوة الفعلية بين أطراف متعددة.
وتحمل هذه الواقعة دلالات تتجاوز اليمن إلى الإقليم بأكمله. فهي تعكس، وفق رؤية كثير من المراقبين، تنامي الحضور الإيراني في ملفات البحر الأحمر عبر علاقتها بجماعة الحوثي، في سياق تنافس إقليمي أوسع على الممرات البحرية وخطوط الملاحة الدولية. وإذا صح أن هذا الحضور يتجه نحو مزيد من الترسخ، فإن البحر الأحمر قد يتحول إلى ساحة ضغط استراتيجية تضاف إلى مضيق هرمز، بما يوسع من هامش التأثير الإيراني في معادلات الأمن الإقليمي.
غير أن المسؤولية لا يمكن اختزالها في العامل الخارجي وحده. فالتدخلات الأجنبية لا تنجح إلا عندما تجد بيئة داخلية مفككة، ومؤسسات عاجزة، وقرارًا سياسيًا منقسمًا. إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في ما تفعله القوى الإقليمية، بل فيما عجزت القوى الشرعية عن إنجازه طوال سنوات الحرب. فلا تزال المؤسسات العسكرية والأمنية تعاني من التشظي، ولا يزال القرار السياسي موزعًا بين مراكز نفوذ متعددة، الأمر الذي يجعل الحديث عن مشروع وطني موحد أقرب إلى الأمنية منه إلى الواقع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الشرعية خسرت كثيرًا من المعارك قبل أن تبدأ، لأنها دخلتها وهي منقسمة على نفسها. فلا توجد عقيدة عسكرية موحدة، ولا غرفة عمليات موحدة، ولا رؤية سياسية متماسكة، ولا خطاب قادر على إقناع الداخل والخارج بأن هناك دولة تستعيد نفسها بالفعل. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي أن تتقدم القوى الأكثر تنظيمًا على حساب المؤسسات الرسمية، مهما كانت شرعيتها القانونية.
ولعل أخطر ما في هذه الحادثة أنها لم تكشف ضعفًا عسكريًا فحسب، بل كشفت أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة. فالمواطن الذي يشاهد الوقائع بعينيه لم يعد يقنعه الخطاب الإنشائي، ولم تعد بيانات الإدانة تمنحه شعورًا بالأمان أو الثقة. لقد أصبح الفارق بين ما يقال وما يحدث كبيرًا إلى درجة تهدد ما تبقى من مصداقية المؤسسات الرسمية.
إن الدول لا تفقد هيبتها دفعة واحدة، بل تفقدها تدريجيًا، عندما يصبح خرق السيادة حدثًا عاديًا، وعندما تتحول ردود الأفعال إلى بيانات محفوظة، وعندما يعتاد الناس على أن الوقائع الميدانية أقوى من قرارات الدولة نفسها.
إن اللحظة التي مرت بها الطائرة لم تكن مجرد دقائق في سجل الملاحة الجوية، بل كانت لحظة سياسية فارقة، اختبرت فيها الدولة قدرتها على حماية رمز من أهم رموز السيادة، فإذا بالمشهد يكشف حجم الفجوة بين الطموح والواقع.
اليوم لم يعد السؤال: كيف وصلت الطائرة؟ بل أصبح السؤال الأكبر: كيف وصلت الدولة نفسها إلى هذه المرحلة من التراجع؟ وكيف يمكن استعادة السيادة إذا كانت أدوات فرضها غائبة؟ وكيف يمكن إقناع اليمنيين والعالم بأن هناك سلطة قادرة على إدارة البلاد بينما تتغير موازين القوة على الأرض أسرع من تغير البيانات الرسمية؟
قد تختلف القراءات السياسية حول تفاصيل هذه الواقعة، لكن ما يصعب إنكاره هو أنها أعادت طرح سؤال الدولة اليمنية بكل ثقله: من يملك القرار؟ ومن يفرض الواقع؟ ومن يتحكم فعليًا بالجغرافيا والمنافذ والمجال الجوي؟
في السياسة، قد تنسى الشعوب عشرات الخطب، لكنها لا تنسى الوقائع التي تغير نظرتها إلى القوة والدولة والسيادة. ولذلك، قد لا تُسجل هذه الرحلة في كتب الطيران باعتبارها حدثًا استثنائيًا، لكنها ستظل، في الذاكرة السياسية، واحدة من أكثر اللحظات التي كشفت الفارق بين سلطة تتحدث عن السيادة، وواقع يفرض معادلاته بعيدًا عن البيانات والخطابات.



