بين الجدار والمواطن… أيهما أولى بالاهتمام؟

الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب

يا للمفارقة!

في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن  في المناطق المحررة راتبًا يأتي في موعده، وكهرباء لا تزوره ساعة واحدة فقط خلال 24 ساعة، وماء يصل إلى منزله قبل أن تجف الآبار، وتعليمًا يحفظ مستقبل أبنائه، يبدو أن هناك أولويات أخرى تستحق كل هذا الحشد والاهتمام.

أيها السادة… لقد أثبتم أن الصورة أخطر من انقطاع الكهرباء، وأشد إزعاجًا من تأخر الرواتب، وأعظم شأنًا من معاناة آلاف الأسر!

أي منطق هذا؟

المعلم الذي أفنى ثلاثين عامًا بين السبورة والطباشير، ينتهي به الحال إلى راتب لا يكاد يعادل 200 ريال سعودية، فيضطر للإضراب لأنه لم يعد قادرًا على إطعام أسرته.

وعندما يتوقف التعليم، يتوقف معه مستقبل جيل كامل. فمن المسؤول عن هذه الخسارة؟

أما الكهرباء، فقد أصبحت ضيفًا عابرًا، تأتي ساعة ثم تختفي ساعات طويلة، حتى صار المواطن يمزح بمرارة: “إذا اشتغلت الكهرباء، التقطوا لها صورة تذكارية قبل أن ترحل”!

والماء… في بعض الأحياء يصل بعد أيام، وفي أحياء أخرى أصبح مجرد وعد يتكرر أكثر مما يتحقق، حتى بات الناس يحفظون مواعيد انقطاعه أكثر من مواعيد وصوله.

ولو استحضرنا التاريخ، لوجدنا أن الخليفة عمر بن الخطاب “رضي الله عنه”، ارتبط اسمه في الذاكرة الإسلامية بمسؤولية الحاكم عن أحوال الناس، لا بمراقبة ما يعلقونه على الجدران.
ويروى عنه قوله: “لو أن بغلة عثرت في العراق…” في إشارة إلى عظم المسؤولية تجاه الرعية.

وفي التاريخ القديم، لم تسقط الدول لأن الناس علقت صورًا، وإنما سقطت حين تراجعت العدالة، وتفاقمت الأزمات، واتسعت الفجوة بين هموم الناس وأولويات السلطة.

إن المواطن البسيط في العاصمة عدن وباقي المناطق المحررة الخاضعة لتحالف دعم الشرعية اليمنية لا يسأل عن صورة أُزيلت، بل يسأل:

متى ينتظم صرف الرواتب؟

متى تعود الكهرباء خدمة لا مفاجأة؟

متى يصل الماء إلى كل بيت؟

متى يعود الطالب إلى مدرسة مستقرة، ويأخذ المعلم حقه بكرامة؟

هذه هي الأسئلة التي تصنع ثقة الناس، لا الجدل حول الجدران.

ومن حق أي جهة أمنية أن تطبق القانون وتحافظ على النظام، لكن المواطن يتطلع كذلك إلى أن توجه الجهود بالقدر نفسه نحو مكافحة الجريمة، وحماية الناس، وتعزيز الأمن، ومعالجة ما يمس حياتهم اليومية.

فالدولة القوية لا تقاس بعدد الصور التي أُزيلت، بل بعدد الهموم التي خففتها عن مواطنيها، وبقدرتها على تحقيق العدل، وتحسين الخدمات، وصون كرامة الإنسان.

فالتاريخ لا يخلد من انتصر على صورة، بل يخلد من انتصر لمعاناة شعبه.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار