مطار صنعاء.. عندما يتحول المنفذ السيادي إلى ورقة نفوذ إيرانية

موسى المليكي

لم يعد مطار صنعاء مجرد منشأة مدنية مخصصة لاستقبال المسافرين وتسيير الرحلات، بل أصبح أحد أبرز عناوين الصراع على السيادة في اليمن، ونقطة تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية. فكل تطور يشهده المطار يعكس جانبًا من معركة أوسع تتعلق بمن يملك القرار السيادي ومن يدير مؤسسات الدولة.
منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة في سبتمبر 2014، تغيرت طبيعة المطار بصورة جذرية. فالحكومة اليمنية تؤكد أن المطار خرج عن وظيفته المدنية بعد توظيفه في أغراض عسكرية، وهو ما أدى إلى إدراجه ضمن أهداف العمليات العسكرية مع اندلاع الحرب عام 2015، لتدخل حركة الطيران في مرحلة طويلة من التوقف.
إعادة تشغيل المطار عام 2022 ضمن الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة مثلت فرصة إنسانية لتخفيف معاناة آلاف المرضى والمسافرين، إلا أن هذه الفرصة سرعان ما اصطدمت بالخلافات السياسية والإدارية. وتتهم الحكومة جماعة الحوثي بتحويل المطار إلى أداة ضغط ومساومة، بدلًا من الحفاظ عليه كمرفق إنساني يخدم جميع اليمنيين بعيدًا عن الصراع.
ولم تقتصر الأزمة على المطار، بل امتدت إلى شركة الخطوط الجوية اليمنية، التي تعرضت لسلسلة من الإجراءات والخلافات المالية والإدارية، بلغت ذروتها باحتجاز عدد من طائراتها داخل مطار صنعاء، ثم خسارة ثلاث طائرات إثر الغارات الإسرائيلية في مايو 2025، في تطور كشف حجم الأضرار التي لحقت بالناقل الوطني نتيجة استمرار النزاع.
أما التطورات الأخيرة في يوليو 2026، فقد أعادت المطار إلى واجهة الأحداث الإقليمية. فهبوط طائرة إيرانية قادمة من طهران، ثم محاولة تكرار الرحلة بعد أيام، فتحا بابًا واسعًا للتساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي بات يؤديه المطار، وحدود العلاقة بين جماعة الحوثي وإيران. فالحكومة اليمنية اعتبرت تلك الرحلات انتهاكًا للسيادة وخرقًا للقرارات الدولية، وأعلنت امتلاكها معلومات تشير إلى نقل خبراء ومعدات ذات استخدام مزدوج، مطالبة بتحقيق دولي في طبيعة هذه الرحلات، بينما قدمتها جماعة الحوثي باعتبارها خطوة لكسر ما تصفه بالحصار.
سياسيًا، تكشف هذه التطورات أن الصراع لم يعد متعلقًا بإدارة مطار أو تشغيل رحلات جوية، بل بمفهوم السيادة ذاته. فالمنافذ الجوية والبحرية تمثل إحدى أهم أدوات الدولة، وأي إدارة موازية لها خارج المؤسسات الرسمية تفتح الباب أمام واقع سياسي وأمني جديد يكرس الانقسام ويمنح الفاعلين غير الحكوميين مساحة أوسع للتأثير.
كما أن فتح خط جوي مباشر بين صنعاء وطهران، في ظل غياب إشراف الحكومة اليمنية، يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب الإنساني، إذ يُنظر إليه بوصفه خطوة لتعزيز الروابط السياسية واللوجستية بين الحوثيين وإيران، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد اليمني، ويضيف بعدًا إقليميًا جديدًا للصراع.
في المقابل، تؤكد الحكومة اليمنية أنها لا تعارض تشغيل مطار صنعاء كمرفق إنساني يخدم المواطنين، لكنها تشترط أن يكون ذلك تحت إدارة مدنية رسمية، وبما يضمن عدم استخدامه في أي أنشطة عسكرية أو سياسية، حفاظًا على سيادة الدولة والتزاماتها الدولية.
في المحصلة، لم يعد مطار صنعاء مجرد بوابة للسفر، بل أصبح مرآة للصراع على الدولة اليمنية. ومستقبل هذا المرفق سيظل مرتبطًا بمآلات الأزمة السياسية والعسكرية، وبمدى قدرة اليمنيين على استعادة مؤسساتهم السيادية وإخراجها من دائرة التجاذبات الإقليمية، بما يضمن أن تعود لخدمة المواطنين بعيدًا عن حسابات الحرب والنفوذ.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار