جبل جرداد.. حين تتحول الشائعة إلى معركة، والميدان إلى امتحان للحقيقة

تعز – عدن الأمل / خاص :
في أعالي جبل جرداد، حيث تتشابك تضاريس بني عمر والشمايتين مع واحدة من أكثر جبهات تعز حساسية، لا تدور المعركة بالسلاح وحده؛ فهناك معركة أخرى لا تقل ضراوة، عنوانها الرواية.
خلال الساعات الماضية، انتشرت روايات تتحدث عن سقوط جبل جرداد وسيطرة جماعة الحوثيين على مواقع فيه، وهي روايات قوبلت بنفي ميداني من مصادر موالية للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية، أكدت – بحسب إفادتها – أن القوات الموجودة في الجبهة لا تزال تمسك بمواقعها في الجبل.
ومن قلب المنطقة، جاءت رسالة ميدانية تؤكد أن الصورة على الأرض، وفق أصحابها، تختلف بصورة جوهرية عما يجري تداوله في منصات التواصل الاجتماعي، وأن الحديث عن سقوط الجبل لا يعكس واقع السيطرة الميدانية كما هو قائم.
لكن أهمية جرداد لا تتوقف عند حدود جبل أو موقع عسكري. فالموقع يمثل جزءًا من مشهد جغرافي وعسكري أكثر اتساعًا، يتصل بجبهات العلقمة وجبل راسن والوازعية ومحيط باب المندب، وهي مناطق ظلت خلال سنوات الحرب مسرحًا لمواجهات وتحركات عسكرية متبدلة.
من يملك الميدان يملك نصف المعركة.. ومن يملك الرواية ينازع على نصفها الآخر
في الحروب الطويلة، لا تكون الأخبار مجرد نقل للوقائع؛ إذ تتحول المعلومة نفسها إلى أداة ضغط على الخصم ووسيلة لرفع معنويات الأنصار.
ولهذا فإن شائعة سقوط موقع عسكري قد تؤدي وظيفتها حتى قبل أن تكون صحيحة، بينما يمكن لنفيها أن يتحول بدوره إلى رسالة معنوية وسياسية إلى الجمهور.
وهنا تكمن حساسية ما يجري في جبل جرداد.
فالرسالة القادمة من الميدان لا تريد فقط نفي سقوط الجبل، وإنما تسعى إلى القول إن المعركة لم تُحسم لصالح الحوثيين، وإن القوات المدافعة عن المنطقة ما تزال موجودة في مواقعها.
وفي المقابل، فإن الروايات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحتاج إلى التعامل معها بحذر، لأن طبيعة الحرب اليمنية جعلت من المعلومات غير الموثقة جزءًا من المشهد القتالي نفسه.
تعز.. جبهة مفتوحة على احتمالات عدة
تأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه محافظة تعز واحدة من أكثر ساحات الصراع اليمني تعقيدًا.
فالمحافظة، التي عاشت سنوات من المواجهات، تشكل عقدة جغرافية وعسكرية مهمة، فيما تكتسب المناطق الجنوبية والغربية منها أهمية إضافية بسبب قربها من الساحل وممرات الحركة المؤدية إلى مناطق الوازعية وباب المندب والمخا.
ولهذا فإن أي تغير في مواقع السيطرة أو خطوط التماس في هذه الجبهات لا يُقرأ بمعزل عن الصورة الأوسع.
وإذا صحت المعلومات المتداولة من مصادر القوات الحكومية والمقاومة بشأن ثبات مواقعها في جرداد، فإن ذلك يعني أن الحديث عن سقوط المنطقة يحتاج إلى مراجعة ميدانية، لا إلى إعادة تدويره عبر مواقع التواصل.
أما الحديث عن انسحابات واسعة في جبهات أخرى، أو عن انتقال القوات من مواقعها باتجاه المخا، فيبقى بحاجة إلى أدلة ميدانية مستقلة يمكن التحقق منها قبل التعامل معه بوصفه تحولًا عسكريًا مؤكدًا.
الميدان وحده يستطيع حسم الجدل
في نهاية المطاف، لا تحسم الجغرافيا العسكرية بمنشور على فيسبوك، ولا تسقط المواقع بمجرد شائعة، كما أن النفي الإعلامي وحده لا يكفي لإثبات استمرار السيطرة.
المعيار الحقيقي هو ما يحدث على الأرض.
ولهذا فإن جبل جرداد يقف اليوم أمام اختبار مزدوج: اختبار الميدان، واختبار المصداقية.
فالطرف الذي يثبت قدرته على الحفاظ على مواقعه، وإدارة خطوطه الدفاعية، ومنع خصمه من تحقيق اختراق حقيقي، سيكون الأقدر على فرض روايته.
أما البيانات المتبادلة والتسجيلات والمنشورات المتناقضة، فلن تحسم شيئًا ما لم تؤكدها الوقائع الميدانية.
ووسط كل ذلك، يبقى المدنيون في مناطق الشمايتين وبني عمر وغيرها هم الحلقة الأكثر هشاشة في أي تصعيد جديد؛ إذ إن تغير خطوط المواجهة لا يعني فقط تحرك القطع العسكرية، بل قد يعني أيضًا اتساع دائرة الخطر على السكان وممتلكاتهم وطرقهم وحياتهم اليومية.
جبل جرداد لم يسقط، وفق الرواية الميدانية التي تنفي ذلك؛ لكن الحسم النهائي لأي ادعاء عسكري لا يصنعه صخب المنصات، وإنما تؤكده الوقائع على الأرض.
وفي حرب امتدت سنوات، أصبحت الحقيقة نفسها ساحة مواجهة، وأصبح التحقق من المعلومة مسؤولية لا تقل أهمية عن نقلها.



