سامع التي اختارت السلام.. حين حاولت الحرب أن تطرق باب تعز

سامع – موسى المليكي
لم تكن سامع، في الأيام الماضية، مجرد جبهة عسكرية أخرى على خارطة الصراع في تعز؛ كانت اختبارًا لاتفاق اجتماعي أراد وجهاء المنطقة وشيوخها أن يجعلوا منه مظلة تحمي المديرية من نار الحرب، وتمنح أهلها فرصة للابتعاد عن دورة الدم والدمار.
لكن الهدوء الذي حافظت عليه سامع لم يكن، في نظر كثيرين، ضعفًا ولا عجزًا. كان قرارًا اجتماعيًا واعيًا، اتخذه أبناء المنطقة لتجنيب أرضهم وأهلهم كلفة مواجهة جديدة.
وحين حاول التصعيد أن يصل إلى هناك، تبدلت الصورة.
بحسب روايات ميدانية متداولة، شهدت المنطقة خلال الساعات الماضية مواجهات انتهت بتراجع القوة المهاجمة وخسائر في المعدات، فيما تحدثت المصادر عن استيلاء أبناء سامع على طقم ومدرعة خلال الاشتباكات. وتبقى تفاصيل المواجهة وحجم الخسائر بحاجة إلى تأكيد من مصادر رسمية ومستقلة.
لكن ما يتجاوز تفاصيل السلاح والميدان هو الرسالة التي حملتها المواجهة: أن الحفاظ على السلام لا يعني التخلي عن حق الدفاع عن الأرض عندما تفرض المواجهة نفسها.
لقد اختارت سامع، وفق الرواية المحلية، أن تكون بعيدة عن الحرب. وحين وصلت إليها المواجهة، وجد المقاتلون المحليون أنفسهم أمام واقع مختلف؛ أرض يعرفون تضاريسها، وجبال يعرفون مسالكها، وقرى لا تحتاج إلى خرائط كي تدل أبناءها على مواقعها.
وهنا تبدو الجغرافيا جزءًا من الحكاية.
ففي تعز، ليست الجبال مجرد ارتفاعات صخرية، وليست القرى مجرد نقاط على الخريطة. إنها ذاكرة بشرية متراكمة، يعرف أهلها تفاصيلها ومسالكها ومداخلها ومخارجها. ولذلك فإن أي مواجهة في هذه البيئة لا تُقرأ فقط من خلال عدد الآليات أو حجم القوة، وإنما من خلال طبيعة الأرض ومن يقاتل فيها ومن يعرفها.
حين يصبح السلام موقفًا
الأهم في قصة سامع ليس الاشتباك وحده، بل ذلك التناقض اللافت بين رغبة المجتمع المحلي في تحييد المنطقة عن الحرب وبين محاولة نقل الصراع إليها.
فالسلام الذي يصنعه وجهاء منطقة أو شيوخها ليس إعلانًا للاستسلام، كما أن تجنيب المدنيين القتال لا يعني أن الأرض بلا أصحاب أو أن المجتمع المحلي بلا موقف.
ومن هنا يمكن قراءة ما حدث بوصفه لحظة اختبار: هل يمكن أن تبقى مناطق تعز بعيدة عن دوامة التصعيد؟ وهل تستطيع التفاهمات المحلية حماية السكان عندما تتغير الحسابات العسكرية؟
أسئلة أكبر من جبهة واحدة، وأبعد من معركة واحدة.
لا تنسوا الذاكرة
في الحروب، يسهل أن تضيع التفاصيل.
معركة اليوم تصبح خبر الأمس، وخبر الأمس يتحول بعد أيام إلى سطر في أرشيف طويل من المواجهات. لكن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم حاضرها.
ولهذا، فإن تذكر ما جرى في سامع لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بمشهد عسكري عابر، بل توثيقًا للحظة أراد فيها أبناء المنطقة أن يقولوا إن قرار الحرب والسلام لا ينبغي أن يُنتزع من المجتمع المحلي.
تذكروا هذا اليوم، لا باعتباره يومًا للثأر، بل باعتباره يومًا من أيام تعز التي تتقاطع فيها الحرب مع إرادة الناس في حماية أرضهم وأهلهم.
تذكروا أن خلف كل جبل قرية، وخلف كل قرية عائلة، وخلف كل عائلة حياة كاملة لا ينبغي أن تتحول إلى رقم في نشرات الحرب.
وتذكروا أن الذاكرة ليست فقط ذاكرة الانتصارات العسكرية، بل ذاكرة الضحايا، والقرى، والبيوت، والاتفاقات التي حاول الناس من خلالها أن يحموا مناطقهم من النار.
فمن لا يوثق ذاكرته، يترك رواية ما حدث لمن يكتبها لاحقًا كما يشاء.
سامع اليوم ليست مجرد اسم على خارطة تعز.
إنها حكاية منطقة حاول أهلها أن يختاروا السلام، وحين اقتربت الحرب من أبوابها وجدوا أنفسهم أمام اختبار صعب: كيف تحمي السلام دون أن تسمح بأن يتحول إلى فراغ؟ وكيف تدافع عن الأرض دون أن تصبح الحرب قدرًا دائمًا؟
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تبقى من أحداث اليوم:
أن تعز لا تحتاج إلى مزيد من الحروب بقدر ما تحتاج إلى ذاكرة تحفظ ما جرى، وسلام يحمي أهلها، وإرادة تمنع تحويل مدنها وقراها إلى ساحات مفتوحة للصراع.
أما تفاصيل الميدان، والخسائر، والمعدات التي قيل إنها وقعت في يد أبناء سامع، فتبقى في انتظار البيانات والتوثيق الميداني الذي يحسم الروايات المتداولة ويضع الوقائع في سياقها الصحيح.
لكن المؤكد أن كل مواجهة جديدة في تعز تترك وراءها سؤالًا واحدًا لا ينبغي تجاهله: متى يصبح السلام الذي يريده الناس أقوى من الحرب التي تُفرض عليهم؟



