ميناءا قرمة وبروم .. بوابة اليمن

تقرير/ عدن الامل / نبيل غالب
لم يكن الاجتماع الحكومي المشترك الذي عُقد في ديوان وزارة النقل بالعاصمة عدن، اجتماعاً بروتوكولياً عابراً، بل كان إعلاناً واضحاً عن تحول استراتيجي في عقلية الدولة تجاه استثمار الجغرافيا اليمنية.
اجتماع ضم ثلاثة وزراء بثقل، وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء الركن سالم السقطري، ووزير النقل محسن العُمري، ووزير التخطيط محمد الفقمي، لمناقشة مشروعين طال انتظارهما: ميناء قرمة في أرخبيل سقطرى، وميناء بروم في حضرموت.
وهذا الثقل الوزاري الثلاثي بحد ذاته يحمل دلالة: المشروع ليس مشروع نقل فقط، بل مشروع دولة متكامل.
سقطرى ليست مجرد أرخبيل، هي حاملة طائرات طبيعية في المحيط الهندي، وتطل على أهم ممر ملاحي في العالم.
إنشاء ميناء قرمة يعني تثبيت السيادة الوطنية عبر بوابة اقتصادية خدمية، وإنهاء عزلة سكان الأرخبيل، وتحويل سقطرى من منطقة تعتمد على المساعدات إلى منطقة تصدير للأسماك والنباتات النادرة، واستثمار سياحي عالمي، فلا سياحة بدون ميناء يستقبل اليخوت وسفن الركاب.
أما ميناء بروم في حضرموت فهو قلب الثروة السمكية، فحضرموت تمتلك أطول شريط ساحلي وتنتج أكثر من 60% من الثروة السمكية في اليمن، لكن الصياد يخسر 30% من محصوله لعدم وجود ميناء تبريد وتصدير قريب.
وسيكون بروم ميناء تخصصياً للصيد والتصنيع السمكي يقلل كلفة النقل من قرى بروم إلى المكلا، ومركزاً لوجستياً يخفف الضغط عن ميناء المكلا التجاري المزدحم، ومشروعاً يخلق آلاف فرص العمل لأبناء الساحل الحضرمي.
توزيع أدوار الوزراء كشف عن رؤية متكاملة، فوزير الزراعة والأسماك اللواء السقطري ربط الميناءين مباشرة بالصياد والمجتمع الساحلي، وهذه هي النظرة الأهم: الميناء ليس رصيفاً خرسانياً، بل هو حياة للصياد، وهذا الربط يضمن استدامة المشروع.
فيما تحدث وزير النقل العُمري بلغة التسريع والتنفيذ، وهذا يعني أن الدراسات اكتملت والتمويل مرصود ولم يبق إلا إرادة التنفيذ.
بينما وزير التخطيط الفقمي عندما قال إنه سيطرح المشروعين في بانكوك أمام البنك الدولي والمانحين فهو يضعهما ضمن المشاريع ذات الأولوية القصوى في ملف تعافي اليمن، ما يفتح الباب لتمويل دولي مستدام.
إن أهمية المشروعين تتجاوز الخرسانة والحديد إلى أربعة أبعاد مستقبلية، البعد الاقتصادي فاليمن يخسر سنوياً مئات الملايين من الدولارات بسبب الصيد غير المشروع لعدم وجود موانئ رقابية، وهذان الميناءان سيكونان نقطتي رقابة وتحصيل.
وهناك البعد الغذائي، ففي ظل أزمة الأمن الغذائي العالمي يمكن لليمن أن يتحول من مستورد إلى مصدر للبروتين السمكي إذا وجدت موانئ تصدير بمواصفات دولية.
والبعد الجيوسياسي، ففي عالم يتسابق على موانئ البحر الأحمر وبحر العرب، من يملك الميناء يملك القرار، وقرمة وبروم ورقة قوة تفاوضية بيد الحكومة اليمنية.
لقد اتفق المجتمعون على إحالة الملفين إلى لجنة المناقصات، وهذه هي الجملة الأهم في الخبر، فقد انتقل المشروع من رفوف الدراسات إلى طاولة التنفيذ، والكرة الآن في ملعب اللجنة الفنية لتثبت أن البيروقراطية لن تقتل الحلم.
إن نجاح قرمة وبروم سيكون نموذجاً لكيف يمكن أن نبني اليمن الجديد، ليس من عدن، بل من أطرافه الساحلية المنسية، ويبقى الرهان الآن: هل تنجح لجنة المناقصات في تحويل الحلم إلى رصيف؟



