الأسواق التقليدية في سقطرى أقدمها (حديبوه، ڜييرهر، شءق، قاضب، قلنسية أنمودجا)

السقطري عبدالكريم بن قبلان
في مدن سقطرية وعلى مر العصور فيها اسواق تقليدية ، وأبرزها المدن الثلاث في سقطرى وهي .. (“حديبوه.. شءق”، قاضب، قلنسية) وهي أسواق ليست كبيرة، لكنها لعبت دوراً كبيراً في المجتمع بقدر اهمية تلك السلع التي لها رواجاً عبر شعوب العالم القديم، إذ فيها سُلع موسمية التسوّق، ومن خلال تلك السلع الموسمية طابت نفوس أهلها في العيش والتعايش، حيث بدأت استخدام الأسواق منذ فجر التاريخ..

فمنذُ أن بدأ الإنسان بتبادل السلع بدأ الناس يعتادون على مواقع محددة لتبادل السلع المحلية وأن كانت تلك الامور غالبا في عصور مضت بالمقايضة (إستيراد وتصدير)، وبحسب المصادر التاريخية عام 500 قبل الميلاد ، أصبحت سقطرى حينها سوقا مهمة للبخور والصبر ودم الأخوين ، وقد جلبت هذه المنتوجات التجار من أماكن بعيدة من الهند وأفريقيا والرمان والاغريق..
حيث أعطى بحار أغريقي نبذة واضحة عن سقطرى التي أسمها “ديسكوريدا” في كتاب “رحلة البحر الأحمر” ومنها الإكتشافات الأثرية الحديثة أخيراً، أوضحت عندما عثروا على الأواني الفخارية، والكتابات التي يعود تاريخها الى ما قبل الإسلام والتي وجدت في الكهوف، أن سقطرى ربما كانت أخر جزء من مملكة تدمر التي عاصمتها في بادية الشام، وذلك في القرون المبكرة للميلاد، وعثور على أقدم الاثار التي في سقطرى كموقع قديم يقع بالقرب من قرية “راجف” شرق الجزيرة يرجح ان يكون بقايا مشغل لصنع الادوات الحجرية من أحجار الصوان (العصر الحجري) وذلك حسب مصادر البعثة الروسية اليمنية التي عملت بالجزيرة اذ تغطي فيها اللقى الاثرية مساحة تقدر ب 1600 متر مربع، كما عثر في القرية على مجموعة من المدافن بها هياكل وجماجم وعظام وكذلك بقايا سكاكين حديد ودبوس برونزي وانا كروي من الفخار الاحمر ، ويرجح إن تاريخ تلك المدافن يعود للنصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، وفي منطقة أريوش عثر على مخربشات ورسوم صخرية لم يحدد تاريخها لكنها شبيهة بالنقوش اليمنية القديمة وفقاً للابحاث الحديثة، وكذلك النقوش والرسوم التي عثر عليها في الجزيرة العربية من صور سحرية ومناظر للانسان والحيوان، اما اللقى الاثرية التي عثر عليها في وادي حجرة فتدل على ان قطع من اواني فخارية مستوردة يعود تاريخها الى القرن الثاني حتى القرن السادس للميلاد ، مع إنه من غير المعروف بالضبط متى أستوطن الإنسان أرخبيل سقطرى، إلا إن عالم الآثار الكسندر سيدروف – مدير متحف الشعوب الحضارية في روسيا ورئيس البعث الأثري الروسية في سقطرى يقول إنه قد تم العثور على موقع يعود إلى العصور الحجرية أي إلى ما قبل مليون ونصف المليون سنة ..
الأمر الذي يؤكد أن الإنسان القديم سكن هذه المنطقة المهمة من العالم وقد تكون الجزيرة متلاصقة مع القارات الأخرى وهذا يعني حيث ما تجد الحركة السكانية تتماشي الناس بتطورت الأسواق حينها بمرور الزمن حتى أضحى لها قوانين وأعراف متبعة ، وأن تلك الاثار التي تم أكتشافها لها دلالات واضح على حركة السوق لتلك المنتجات في سقطرى ومنها العالم القديم عبر السفن الشراعية تجارية وحربية.

سوق (شءق سقطرى )..
سوق (“شءق” باللفظ السقطري القديم ). إذ لا توجد نظرية قطعية لحتى هذه اللحظة تشرح معنى اسم (شءق ـ سوق)، أوفرها انتشارًا كون اللفظة سقطرية بحثة و قديمة ، لايزال المهتمين في بحث عن تسميى المنطقة بهذا اللفظ (شءق ـ سوق حالياً)، ربما يعود ذلك لموقع المدينة الجغرافي في سهل خصيب يرويه نهر سابقاً كان اتساعه إلى منطقة تاريخية اسمها (حڜره ) وتقع من مدينة ( شءق ـ سوق ) جنوباً منها ، مشكلاً بذلك (واحة شءق ـ حڜره) ؛ وأيضًا يتميز موقع المدينة بوجود جبل حواري فيها ولشهرته تغنّى به الكثير من الشعراء في اشعارهم المختلفة..
اقتصرت تسمية “شءق” على كمدينة ساحلية شهيرة وكاصمة قديمة حتى القرون الوسطى ، حين أخذت المدينة بالتوسع خارجها، حاليًا تتألق مدينة (شءق_سوق) بتألّق العاصمة الجديدة حولها والتي اسمها (حديبوه) متصلة بمحيطها من الضواحي منذ ثلاثة قرون من الزمن على الأقل ..
اشتهرت (شءق_سوق) بوصفها مدينة سياسية تجارية ، تقصدها القوافل للراحة أو التبضع ، وترجع شهرة “شءق” كعاصمة سياسية وتجارية لشهرة سقطرى وأهميتها التاريخية إلى بداية ازدهار تجارة السلع المقدسة، ونشاط الطريق التجاري القديم_طريق اللبان، حيث أشتهرت سقطرى بإنتاج الند وهو صنف من أصناف البخور ، وبأنتاج “الصبر السقطري” كأجود أنواع الصبر وزادت أهميتها وتردد ذكرها إلى شعوب حضارات العالم القديم التي كانت تنظر إلى السلع المقدسة نظرة تقديس البخور والمر والصبر واللبان ومختلف الطيب ، وكانوا يسمون الأرض التي تنتج هذه السلع الأرض المقدسة ولهذا سميت جزيرة سقطرى عند قدماء اليونان والرومان بجزيرة السعادة ..
منطقة “شءق_سوق” فيها جامع قديم والذي يعرف بجامع “شءق” وفي جوار السوق مسجد دو منارة ومئذنة، إذ تعرض السوق التقليدي لمدينة ( “شءق” ـ باللفظ السقطري ـ “سوق” باللفظ الحالي) وهي مدينة سياسية وتجارية وثقافية إجتماعية قديما تقع شرق العاصمة حديبوه اليوم وهي تتبع لمركز في إطار ووحدة 30 نوفمبر السكنية، حينها وعبر التاريخ تعرضت المدينة للعديد من الهجمات منذ الغزو البرتغالي الأول والثاني، ورغم سوء الهجمات فمن المحتمل ان السوق التقليدي حينه تعرض للعبث والتحطيم كم حصل لمسجد المدينة الذي حولوه النصارى حينها إلى كنيسة وأطلقوا عليها اسم “كنيسة سيدتنا التى منحتنا النصر” ، مما توقّف عن العمل وهو سوق ترجع تسميته بهذا الأسم نسبة إلى أسم المدينة الشهيرة (شءق_سوق) بعد ان طمس معالم المسجد والقصر قصر (الزهراء السقطرية) التي بقية انقاضه إلى الستينيات من القرن الماضي إلا ان العهد الجمهوري ترك المعلم يحتضر باثاره الجميلة، والسوق الذي فيها حينها ببساطته والذي تم تدميره من قبل الاحتلال البرتغالي أثناء الحملة الصليبية و غزوهم على العاصمة في 1507م ، والسوق يُباع فيه كثل الصنوف والالسلع التي تنتجه سُقطرى عبر العصور الموغلة بالاساطير، كل صنوف المشغولات الايدوية من سعف النخيل والجلود والصوف..
(شءق_سوق) هي عاصمة لسقطرى قبل (حديبوه) اليوم، وهي أحدى أقدم مدن العالم وفقاً لشهرة واقدمية السلع التي تشتهر بها سقطرى عبر العصور الموغلة، مع تاريخ غير منقطع منذ العور الوسطى تقريبًا.. ، كانت المدينة إحدى محطات طريق الحرير، وطريق البحر ، وموكب الحج ، والقوافل المتجهة إلى فارس أو آسيا الصغرى أو مصر موطن الافراعنة أو الجزيرة العربية. هذا الدور الإقتصادي البارز لعب دورًا في إغناء المدينة وتحويلها إلى مقصد ثقافي وسياسي أيضًا، لكنه تم تحطيمها في الاحتلال البرتغالي في 1507م فالمدينة كانت خلال تاريخها مركزًا لعدد من الدول أهمها السلطنة الفعرارية_أكبر دولة في الجزيرة العربية من حيث المساحة في التاريخ ولكون سقطرى عاصمة لها في الفترة الأخيرة لعبة دوراً سياسياً في تلك الفترة ، وفيها أقامت ودفنت شخصيات بارزة لحتى اليوم لا يُعرف مآتر قبورهم . أشتهرت سقطرى ببضائع الصحون والأواني المنزلية وأباريق الشاي والكاسات والملاعق الفخارية والنقش عليها بصبغات متنوعة وابرزها بصبغات دم الاخوين وهذا ما استوضحته الاكتشافات الروسية الحديثة.
سوق حديبوه_( ڜييرهر )القديمة:
يقع سوق.. (حديبوه_ڜييرهر) باللفظ القديم، بالسقطرية.. في قلب المدينة وهو عبارة عن مجموعة من المحلات ملتصة في دواوين ومجالس (محضره) لتجار المنتشرة في الأزقة الضيقة الواقعة في المنطقة (سرحة الشعب_ساحة الشعة، أو سرحة العمود) (حافة دزووبك) قريبة من جامع النور ، و قديما في سقطرى “حديبوه” تحديداً كانوا هناك الكثير من التجّار بيعون الملابس والمواد الغذائية ووفقاً للمعلومات التاريخية أن التجّار هم وهذا لا على سبيل الحصر وانما على سبيل الذكرى فقط.. التاجر مسلم بو لحاف ومحمود الصومالي ونور السواحليه زوجة محمد بن عيسئ المهري ومبارك بن سعيد وحمد بن سليمان سمح وسالم بن حسن الجمحي ومحمد بن عبدالله وبن حماد، تجارتهم ومحلاتهم الملتصقة بمنزالهم آنذاك ولكن هي اليوم أطلال وتغيّرت بتغيّرات الحداثة هي اطلا ل دكاكينهم ومن أبرزهم أحمد سالم السمحي وهو كان تاجر في الألبسة وكان يستوردها من عُمان وبن حمّاد كان تاجر اللؤلؤ والتاجر باحارث كان يبيع هواري صغار لصيد ويصدّر من سقطرى عسل وسمن والبان، كغيره من التجّار وأشياء كانت تصنع في سقطرى مثل: (مسفي_”قفّة”) مفرد وجمعها قفف “مارحت_المرحت، أي_سفره) وفخاريات جُرر ماء “جيززف” وبن حمودش كان يبيع ويشتري إلى سواحل إفريقيا كغيره من التجار بسلعة التمور، وكان هؤلاء بيوتهم صوب ساحة “صرحة بالسقطرية” الشعب يسمونها قديماً.
كان لهؤلاء التجّار سُلع رائجة يبيعون ويشترون السُلع بالتبادلة (المقايضة) استيراد وتصدير في ييوتهم الملتقصة دواوينهم ومجالسهم (محضر_ديوان أو مجلس) بالحي القديم وأزقته، إذ يقع قصر السلطان بن عفرار منها غرباً للمبنى ، وتُباع فيهِ المصنوعات والأدوات النحاسية والسلع المختلفة لُبان_الإذع وفصوص دم الاخوين والشملة (حضهل)..إلخ
هناك معالم أثرية التي إندثرت تم العبث بها بعد سقوط السلطنة العفرارية، الهدف منها محو وطمس ماثر عربية أصيلة رغم معرفة موقع تلك المآثر والمعالم وانطمست رسومها ومن آثارها منارة المئذنة لجامع القديم التي هدمت في السبعينات من القرن الماضي، ولا يعرف على وجه التحديد من و كيف سكتت الحكومات اليمنية على عدم استعادتها، إذ يحتوي سوق (حديبوه) على مسجد أثري قديم الشهير بأسم (جامع العيدروس العدني) يسمّى اليوم بجامع القديم الهدف طمس حتى المسميات القديمة، جامع العيدروس العدني يحتوي على قبب تراثية، ولقد بني هذا المسجد من قبل أحد المحسنين في زمن السلطنة العفرارية، ومسجد عبدالرحيم (مسجد الشيخ عبدالله بن حعلان) الله يرحمه، وهما من مساجد سقطرى التراثية.
الحرفيون ممن سألناهم يقولون إنها مسألة وقت قبل أن تختفي محلاتهم القليلة الخفيضة الضوء والتي تمتلئ بالمطارق والمسامير وقواطع المعدن الصدئة والجدران المتسخة، حيث يجلس الحرفيون في سوقهم على مقاعدهم الصغيرة، أو يقفون حفاة من دون أحذية على حصير سعف النخيل او جلديات البقر أو مما حاكتهم أيادي نساءهم من الصوف (الشملة_حضهل بالسقطرية) وهم يمارسون مهنتهم وحياتهم اليومية، وهم يعلمون أن مهنتهم على وشك الإنقراض، كما إنقرض كُل جميل من العاصمة الأولى لسقطرى ( شءق_سوق ) بمنهجية النظام الجمهوري الجديد.
وانهم ينتمون إلى هذا الطريق المنحدرة ذات السلع الشهيرة بالاسم فقط اليوم، وأن العامل الأساسي الذي أطاح بالسوق وساعد على إندثارهِ تمثل في إستيراد البضائع النحاسية والمفارش الرخيصة من المصانع الأجنبية وهو عدم تشجيع الدولة للحرفيون في كل شي حتى بما فيها إستعادة بناء المدينة القديمة بمحلاتها الملتصقة في منازل الباعة والتحار حينها، ولقد كان الأجانب سابقاً يشترون تلك االسلع ومما تصنعه أياديهم من السوق التي تشتهرمن الخزفيات و(الشملة_حضهل) الدقيقة الصنع التي كانت بالوان رائعة ، إضافة إلى بيع العطارة والتوابل كذلك تباع في السوق أنواع من المصنوعات والاسماك المجففة مثل الصدف والحنيط.
ويقول أحد الحرفيين في سقطرى يقول : “لقد كنا نبيع أي شيء نضعه في المحل” ومنها بطلبات خاصة للحصول على الهدايا من مصنوعات السوق. حيث كانت السوق تبقى مفتوحة في الصباح.. ولكن في الوقت نفسه فإنها تغلق أبوابها في وقت مبكر من المساء، فقليل جداً من الأفراد سواءً كانوا سقطريين، أو تجار، أو وافدين وطالبين السلع، أما الاجانب يأتون للشراء ، وفق حاجاتهم لتسوّق، نجد اليوم في الواقع أن المدن التاريخية خلقت مخاوف على تراثها ومعالمها التاريخية العديدة، كما حصل في مدن عربية أخرى فأين الحكومات من إدّعاتها على أن من أولوياتها الحفاظ على هذا الارث العظيم.
ثائر من المحيط
كاتب وناشط حقوقي



