الغيرة الغائبة.. حين يصبح المنكر مشهدًا عاديًا في الأماكن العامة

موسى المليكي
في كل مجتمع توجد خطوط أخلاقية غير مكتوبة، لا تفرضها القوانين ولا تنظمها اللوائح، لكنها تعيش في ضمير الناس وتحفظ للمجتمع توازنه وهيبته. ومن بين هذه الخطوط قيمة عظيمة طالما اعتُبرت إحدى ركائز الرجولة والمسؤولية الأسرية، وهي “الغيرة” بمعناها النبيل؛ تلك الغيرة التي تدفع الإنسان إلى صيانة كرامته وحماية أسرته واحترام خصوصية بيته وأهله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: أين ذهبت هذه الغيرة؟
قبل أيام كنت أتجول في إحدى الحدائق العامة، وهي مكان خُصص أساسًا للعائلات والأطفال والباحثين عن الراحة والاستجمام. غير أن ما شاهدته هناك لم يكن مجرد تجمعات عائلية عادية، بل مشاهد دفعتني إلى التأمل طويلًا في حجم التحولات الاجتماعية التي نعيشها.
في الممرات والزوايا وتحت الأشجار، جلس رجال ونساء في اختلاط لافت، بعضهم يقضون ساعات طويلة في جلسات لا تنسجم مع طبيعة المكان العام.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الرجال كانوا يجلسون بجوار زوجاتهم أو قريباتهم في حين تبدو مظاهر التبرج والزينة الصارخة واضحة للعيان، وسط عشرات بل مئات العيون العابرة.
المشهد بحد ذاته ليس مجرد تفاصيل عابرة، بل مؤشر على تغير أعمق في المفاهيم والقيم. فالمجتمعات لا تتغير فجأة، وإنما تتبدل تدريجيًا عندما تبدأ بعض المبادئ الأساسية في التراجع حتى يصبح ما كان مستنكرًا بالأمس أمرًا مألوفًا اليوم.
إن الغيرة التي نتحدث عنها ليست الشك المرضي ولا التضييق على الناس ولا فرض الوصاية على الآخرين، وإنما ذلك الإحساس الفطري الذي يجعل الإنسان حريصًا على سمعته وسمعة أسرته، ومدركًا أن بعض الحدود وُجدت لصيانة الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع.
لقد كان الرجل في الماضي يشعر بالمسؤولية تجاه كل تصرف قد ينعكس على أسرته، وكانت المرأة كذلك تدرك مكانتها ودورها في المحافظة على الصورة المشرفة لبيتها وأهلها. أما اليوم، فقد أصبح البعض يتعامل مع هذه القيم وكأنها بقايا من زمن قديم لا مكان لها في عصر الانفتاح والتغيرات المتسارعة.
المشكلة ليست في الحدائق وحدها، ولا في مكان بعينه، بل في العقلية التي بدأت تنظر إلى كل نقد اجتماعي على أنه تشدد، وإلى كل دعوة للحياء على أنها تضييق للحريات، وإلى كل حديث عن الغيرة على أنه رجعية يجب التخلص منها.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فحين يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الحرية والانفلات، وبين الثقة واللامبالاة، وبين الانفتاح والتسيب، فإنه يدخل مرحلة من الضبابية الأخلاقية التي تجعل كل شيء مباحًا وكل قيمة قابلة للتشكيك.
المؤسف أن بعض الرجال باتوا يتعاملون مع هذه التحولات وكأنها أمر طبيعي لا يستحق حتى النقاش. لم يعد يزعجهم أن تتحول بعض الأماكن العامة إلى ساحات استعراض ومظاهر تلفت الأنظار وتستجلب التعليقات. بل إن بعضهم أصبح يعتبر الاعتراض على هذه المشاهد نوعًا من التعقيد أو المبالغة.
لكن المجتمعات لا تنهار فجأة، وإنما تبدأ رحلة التراجع عندما يفقد الناس حساسيتهم تجاه الخطأ، وعندما يصبح المنكر مشهدًا عاديًا لا يثير أي استغراب.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة ليس الفقر ولا ضعف الإمكانات، بل اعتيادها على التنازل التدريجي عن قيمها الأساسية. فالقيم لا تسقط دفعة واحدة، وإنما تتآكل بصمت، خطوة بعد خطوة، حتى يكتشف الناس بعد سنوات أنهم فقدوا أشياء كثيرة كانوا يظنون أنها ثابتة لا تتغير.
ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في إعادة تشكيل مفاهيم الأجيال الجديدة. فقد أصبح كثير من الشباب يستمدون معاييرهم من مشاهير المنصات أكثر مما يستمدونها من الأسرة أو المدرسة أو البيئة الاجتماعية. ومع مرور الوقت تحولت بعض السلوكيات الشاذة عن ثقافة المجتمع إلى نماذج يُنظر إليها على أنها عصرية ومتقدمة.
والنتيجة أننا أصبحنا نرى مشاهد كانت قبل سنوات قليلة محل استنكار واسع، فإذا بها اليوم تمر مرور الكرام دون أن تثير أدنى اعتراض.
ولا يعني هذا أن المجتمع مطالب بالعودة إلى التشدد أو التضييق على الناس، فالتوازن مطلوب دائمًا. لكن التوازن لا يعني إلغاء القيم، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الضوابط الأخلاقية التي تحفظ الاحترام العام.
إن الغيرة المسؤولة ليست عدوًا للحرية، بل هي شريك لها.
فالحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية، والاحترام المتبادل لا يقوم إلا عندما يدرك كل فرد أن سلوكه لا يؤثر عليه وحده، بل ينعكس أيضًا على محيطه ومجتمعه.
لقد كانت زيارتي لتلك الحديقة كافية لإثارة سؤال كبير في ذهني: إذا كانت بعض السلوكيات التي كانت تُستغرب بالأمس أصبحت عادية اليوم، فماذا سيصبح عاديًا بعد عشر سنوات أخرى؟
إن هذا السؤال يستحق أن يُطرح بجدية، لا بدافع التشاؤم، بل بدافع الحرص على المجتمع وأخلاقه وهويته. فالمجتمعات الحية هي التي تناقش تحولاتِها بصراحة، وتراجع مسارها باستمرار، وتدرك أن المحافظة على القيم ليست مهمة فرد أو أسرة بعينها، بل مسؤولية جماعية يشترك فيها الجميع.
وفي النهاية، تبقى الغيرة المعتدلة قيمة إنسانية وأخلاقية نبيلة، تحفظ الاحترام وتصون الكرامة وتمنح الأسرة تماسكها. أما حين تتحول اللامبالاة إلى ثقافة، ويصبح كل شيء عاديًا، فإن السؤال لن يكون عن اختفاء الغيرة فقط، بل عن المصير الذي تنتظره المجتمعات عندما تتخلى تدريجيًا عن حراس قيمها الأخلاقية.



