على النخب السياسية اليمنية أن تقول كلمتها قبل فوات الأوان وقبل أن تقع البلاد في كارثة لا يمكن تداركها

عادل الشجاع

“قارب اليمن من إنهاء عشر سنوات من الحرب العبثية،
عشر سنوات من المعاناة والموت والخسائر والدمار، منذ انقلاب الحوثيين وتدخل ما سمي بتحالف دعم الشرعية، وقع الشعب اليمني في دوامة لا تنتهي من العنف، مارسته المليشيات التابعة لإيران من ناحية وللسعودية والإمارات من ناحية أخرى، وما مِن بريق أمل يلوح في الأفق .

بعد هذه السنوات من الحرب مازلنا نسمع عن قصص الموت والخوف وعدم اليقين بشأن المستقبل، بسبب السنوات الطويلة من الاضطرابات التي عاشها اليمنيون، حتى الطبيعة تمارس ضدهم القتل والتشريد، فالأمطار التي هي في العادة لبعث الحياة وإنماء الزرع تحولت إلى مصدر للموت وأخذ ماتبقى للمواطن من مصدر للعيش من المزارع والحيوانات .

لقد حطمت هذه الحرب الكارثية شعبا برمته، وقتلت ما لا يقل عن 500 ألف مدني، بحسب أرقام الأمم المتحدة ومن المحتمل أن يكون الرقم الفعلي للخسائر أعلى من ذلك بكثير، واقتلعت أكثر من 5 مليون شخص من منازلهم، وبحث أكثر من 2 مليون شخص اللجوء في البلدان الأخرى .

أصابت الحرب الاقتصاد بالشلل، ودفعت بالملايين إلى براثن الفقر، وأدت إلى التوقف شبه التام للخدمات الأساسية في مختلف مناطق اليمن، ومنها خدمات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية والمرتبات، وأضحى أكثر من 25 مليون يمني محروما من إمكانية الوصول إلى الحياة الطبيعية المأمونة وأصبحوا معرضين لخطر سوء التغذية والأمراض الفتاكة .

وعلى الرغم من القرارات الدولية والوعود المتكررة من قبل الأمم المتحدة بإنهاء الأزمة، إلا أنها لم تحقق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، ومارست صمتا يصم الآذان في هذا الصدد، ولم تدن أي طرف أو تعتبره معرقلا للسلام حتى الآن .

ولسنا بحاجة للتأكيد بأن القاسم المشترك المدمر لهذه الحرب هو أثرها الوحشي على الشعب اليمني الذي تعرض أكثره
للاحتجاز التعسفي الذي مارسته الأطراف جميعا بحق المدنيين، فالآلاف من الأشخاص، محتجزون بمعزل عن العالم الخارجي وفي ظروف مروعة، منهم سياسيون ومدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون، وجريمتهم الوحيدة المزعومة هي دعمهم المتصور للطرف الآخر، أو معارضين للحرب، أو أنهم قدموا مساعدات إنسانية إلى المحتاجين، لقد تم تعذيب الكثيرين منهم بطرق وآساليب مروعة ولم ينقذهم أحد .

لقد ركز المجتمع الدولي على تجنيد الأطفال وهذا أمر مهم، لكن المجتمع الدولي تجاهل تسليح المدنيين، وتجنيدهم بهدف المشاركة في الأعمال الحربية، والزج بهم على أساس قبلي أو مناطقي، وتعد حملات التعبئة التي نفذتها المليشيات المتعددة تشكل خطرًا حقيقيًا لإدامة الحرب وإشعال المزيد من النزاعات بين المجتمعات المحلية .

أصبح المواطن اليمني يشعر بالاشمئزاز والصدمة حيال الثقافة التي انتجتها هذه الحرب، فنشر الصور التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي لنساء في عدن، تؤكد على سقوط القيم والأخلاق، وأصبح المواطن العادي مساهما بهذا العنف وممارسا له، ويمكنه قتل الآخرين بالوسيلة التي يتمكن منها، لم تعد أعراض الناس مقدسة، بل أصبحت مباحة .

لقد تحمل الشعب اليمني معانات وتضحيات هائلة في سعيه الطويل إلى تحقيق السلام والعدالة، وانتشار المليشيات يبين لنا بشكل قاطع لا شكّ فيه، أن هذه المليشيات لن تحقق الاستقرار والسلام في اليمن، ولن تقبل بعودة الدولة ولن تعزز حقوق الإنسان ولن تصلح الاقتصاد، بل ستولد المزيد من الاضطرابات والمعاناة المروعة .

حان الوقت للنخب السياسية التي أعفت نفسها من المسؤلية كي تضع حدا لهذه الحرب والعنف والدمار، وتتداعى إلى كيان سياسي، يستعيد الدولة ويخضع الجميع للقانون ويحمي حقوق الإنسان ويوفر العدالة لكل اليمنيين ويستعيد لهم سيادتهم الإنسانية والوطنية، فمن لم يقل كلمته اليوم لصالح وطنه وشعبه، فمتى سيقولها إذا ؟! .

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار