العفاج .. حكاية قرية تأبى النسيان

لحج – عدن الأمل / محمد أبو قمر
حين تخطو ذاكرتي إلى الوراء، متجاوزة صخب المدن وأزقة الحياة المتسارعة، تتجلى أمامي صور قريتي “العفاج”، تلك الرقعة الطاهرة التي احتضنت طفولتي، وشهدت أولى خطواتي على دروب الحياة، إنها ليست مجرد أرضٍ سكنتها في طفولتي، بل هي الجذور المتغلغلة في أعماق روحي، والمرفأ الذي مهما ابتعدت عنه، يظل يشدني إليه حنين لا يهدأ.
في تلك القرية، حيث ما زالت الحقول تموج بالخضرة، والسواقي تهمس بأحاديث الزمن الجميل، كنت لا أزال صغيرًا أركض بين أزقتها، ألهو مع أقراني، وأحفظ ملامح البيوت الطينية التي تحكي قصص الأجداد ؛لم أكن يومًا بحاجة إلى رفاهية المدن، فقد كنت أجد السعادة في بساطة العيش، وفي دفء العلاقات التي كانت تجمعنا كأهل وأحبابٍ وجيران.
ما زلت أذكر رائحة التراب بعد المطر، وصوت المؤذن يعلو من مسجد القرية، داعيًا الناس إلى الصلاة، فنتجه جميعًا بقلوب خاشعة، وأقدام تلامس أرضًا باركها الحب والطمأنينة ، كنت أرى في ملامح كبار السن حكمةً اختزلتها السنون، وفي ضحكات الأطفال براءةً لم تلوثها تعقيدات الحياة.
لم يكن الفراق سهلًا، حين غادرت قريتي نحو حياةٍ أخرى، نحو مدنٍ صاخبةٍ لا تعرف هدوء العفاج، ولا سحر لياليها التي كانت تتلألأ تحت ضوء القمر، كم كنت أشتاق إلى الحقول التي كنت أركض بين مسالكها، وإلى الأشجار التي كنت أستظل بفيئها، وإلى الماء العذب الذي كنت أرتشفه من ينابيعها الباردة.
آه يا قريتي.. كم أتعبني اشتياقي إليكِ! كم عاتبتني ذاكرتي على البعد عنكِ! لكنني أعدكِ أنني سأعود.. سأعود لأعانق أرضكِ من جديد، وأُقبّل جبين ترابكِ، وأمضي بين دروبكِ التي لم تغب عن مخيلتي يومًا.
لا شيء يعادل لحظة العودة إلى الديار، إلى المكان الذي شهد ولادتنا ونشأتنا وأحلامنا الأولى.
سأعود إلى مسجدكِ الذي احتضن صلواتي، وإلى جبالكِ التي كنت أتسلقها بفرح الصغار، وإلى مائكِ الذي ينساب رقراقًا بين أشجاركِ، يروي عطش الأرض والقلوب.
العفاج.. يا قريةً لم تغادرني رغم بعدي عنها، يا نبضًا يسري في دمي، ويا وعدًا لن أحنث به.. سأعود إليكِ، حاملاً معي كل ما اختزنته الذاكرة من حبٍ ووفاء، لأجدد العهد مع أرضٍ لم ولن تفارق روحي أبدًا.
العفاج هي قريتي.. جئت منها، وإليها سأعود.



