الوعي قبل البندقية: قراءة فلسفية في وصية الشهيد القائد اللواء ثابت جواس

الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب
في زمن التهافت والانقسام، يبقى صوت الشهداء هو الأكثر وضوحًا، والأشد صدقًا، والأعمق أثرًا.. ومن بين تلك الأصوات، يعلو صوت الشهيد القائد الجنوبي اللواء ثابت مثنى جواس، لا كنداء حرب، بل كوصية عقل، ومشروع وعي، ورؤية دولة.
قالها بوضوح لا يحتمل التأويل:
الجيش الجنوبي لن يُبنى إلا من الشباب الواعي، مثلما كان في السبعينات.
كلمة تختزل مشروع أمة، وتفضح عورات المرحلة، وتعيد تعريف “الجيش” لا ككتلة عسكرية، بل كقوة أخلاقية، ناهضة بالوعي والانتماء قبل السلاح والرتب.
اللواء جواس لم يكن مجرد قائد ميداني، بل كان فيلسوف سلاح، يؤمن أن الجبهة الأولى تبدأ في العقول، لا في المتارس.
ولذلك، فإن ما نشهده اليوم من عسكرة بلا هوية، وبزات بلا عقيدة، وانقسامات تحت شعارات التحرير، كل ذلك لا يمت بصلة لجيش السبعينات الذي تحدث عنه الشهيد.
ففي السبعينات، كان الجيش الجنوبي مصنعًا للرجال لا للمرتزقة.. كان الفلاح والمثقف والشاعر والمعلم جزءًا من مؤسسة واحدة، تعرف العدو من النظرة، وتفهم الوطن من النبض.. كان الوعي هو البندقية الأولى، وكان الضابط لا يُقاس بعدد الأوامر، بل بعمق قناعاته وانتمائه للأرض والقضية.
أما اليوم، فكم من قائد جنوبي لا يفرق بين الوطن والمخزن؟
وكم من رتبة تُباع على قارعة التمويل الخارجي؟
وكم من “جندي” يرفع السلاح دون أن يعرف لماذا، ولا ضد من؟
إن دعوة الشهيد جواس ليست حنينًا إلى الماضي، بل شرطًا للمستقبل.. فلا جيش دون وعي، ولا تحرير دون ثقافة، ولا كرامة دون رجال أحرار يفهمون لماذا يقاتلون، ولمن ينتمون.
ونحن إذ نحيي ذكرى هذا القائد الفذ، لا نرثيه، بل نستدعي مشروعه.. مشروع إعادة بناء الجنوب من بوابة العقل، لا من خنادق الفوضى.
فلتكن وصية جواس هي النشيد القادم:
ابنوا الوعي أولًا، قبل أن تبنوا الكتائب.. وابحثوا عن شباب السبعينات لا في أرشيف الصور، بل في جوهر القيم.



