يافع تنتصر للكرامة وتعيد شروق إلى الحياة

عبدالعالم منصر
في المنافي، حين تضيق الارض بما رحبت، ويُحاصر الانسان بين فكي القانون والقدر، تبقى الكرامة هي آخر ما يتمسك به الانسان. هكذا كانت حال شروق احمد علي، المواطنة اليمنية المقيمة في المملكة العربية السعودية، التي وجدت نفسها في لحظة فاصلة بين الحياة والموت، بين القصاص والعفو، بعد حادثة دفعتها للدفاع عن نفسها في وجه واقع قاهر.
صدر بحقها حكم قضائي يقضي بدفع دية ثقيلة، بلغت في بادئ الامر عشرة ملايين ريال سعودي. مبلغ لا تقدر عليه امرأة وحيدة في الغربة، ولا اسرة من ذوي الدخل المحدود. لكن رغم قسوة الموقف، لم تنكسر شروق. كانت تؤمن ان في اليمن رجالا لا يخذلون، وان للرحمة في قلوب الناس مفاتيح لا تعرفها القوانين الصارمة.
ومع مرور الايام، وضمن مبادرات العفو والتخفيف، خُفض المبلغ الى ثلاثة ملايين ريال. فهبّ اهل الخير ودفعوا مليون ريال، وتبقى منها اثنان. حينها ارتفعت صرخة الاستغاثة، وبلغت اسماع من لا يردون مظلوما ولا يخذلون امرأة تستنجد بشيم الرجال.
وهبّت يافع، بكل ما تحمله من اصالة حميرية وجذور ضاربة في اعماق التاريخ، لم تنتظر طويلا. خلال اقل من اربع وعشرين ساعة، اجتمع ابناؤها، في الداخل والخارج، رجال المال والتجارة، والمغتربون في اصقاع الارض. لم يكن سؤالهم: “لماذا؟” بل كان صوتهم واحدا: “كم تبقى؟”.
فجمعوا المبلغ كاملا… اثنين مليون ريال سعودي، وقدموا تبرعهم لا منة ولا تفضلا، بل وفاء لامرأة يمنية في محنة، ووفاء لما جبلوا عليه من شهامة وفزعة لا تعرف الحدود.
ما فعلته يافع لم يكن مجرد تبرع مالي، بل كان فعلا انسانيا ووطنيا عظيما. لقد ذكّروا الجميع بان الكرامة لا تُشترى، وان المرأة اليمنية ليست وحدها ابدا، طالما في هذا الوطن رجال على شاكلة اهل يافع.
لقد اثبتت يافع ان النخوة ما زالت تنبض، وان الرجولة ليست كلاما، بل موقف في ساعة الضيق، وسند في زمن الخذلان. هذه ليست قصة شروق فقط، بل قصة شعب لا يموت، وشرف لا يُداس، ورجال لا يخذلون نساءهم ولو في ابعد المنافي.
شروق ستعود الى ارضها، لا بدموع الانكسار، بل بعينين مرفوعتين، لان وراءها رجالا حملوا عنها ثقل المحنة. ستعود شاهدة على ان في هذا البلد – رغم الجراح – ما يستحق الفخر، وان العدل حين يُمزج بالرحمة، يولد الامل من قلب الالم.
فسلام على يافع حين تهب، وسلام على اهل اليمن اجمعين… حين يكون للضعفاء بينهم متسع في القلب، لا يسده الا الكرم والمروءة.



