الشهيد منير أبو اليمامة.. القائد الذي كتب سطور المجد بدمه، ورحل قبل أن يرى النصر يكتمل

الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب

في تاريخ الجنوب المعاصر، تتكرر بعض الأسماء بحجم الوطن لا بحجم الأشخاص، وتتوهج في ذاكرة الشعوب كالرايات التي لا تسقط، حتى حين تغيب. منير اليافعي، الشهير بـ “أبو اليمامة”، واحد من أولئك الذين صنعوا من حياتهم خطًا أحمر لا يُسمح لأحد بتجاوزه. لم يكن مجرد ضابط في المؤسسة العسكرية، بل كان مهندسًا للثبات، وقائدًا للرجال، ودرعًا منيعًا في وجه الإرهاب والاحتلال.

البداية… رجل من تراب الجنوب:
ولد العميد منير اليافعي في منطقة يافع، قلب الجنوب النابض بالولاء والبسالة، التحق بالقوات المسلحة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1989م، وكان حينها شابًا مليئًا بالطموح العسكري والإيمان بالقضية الوطنية، وما إن اندلعت حرب 1994م، حتى كان في مقدمة المقاتلين المدافعين عن شرف الجنوب ضد الغزو اليمني، مشاركًا في ملحمة المقاومة التي سطرت بدماء رجال لم يرضخوا.

من السلاح إلى الساحات.. مناضل في ثياب عسكرية:
مع نهاية الحرب، لم يخلع أبو اليمامة بزته العسكرية فقط، بل ارتدى ثوب المناضل المدني، ومنذ 1998م، كان من أوائل المشاركين في مسيرات ومظاهرات الحراك الجنوبي السلمي، بل وكان من مؤسسيه الفعليين… لم تغِب صوره عن الميادين، ولم تهدأ حنجرته في ساحات الكرامة.

وفي 2009م، التحق بـ حركة تقرير المصير (حتم)، حراك نضالي سياسي تبنى مسار التحرير الكامل للجنوب، وكان أبو اليمامة من أكثر أعضائه تأثيرًا وحراكًا.

العودة إلى الميدان.. عندما نادت الأرض أبناءها:
حين اجتاحت ميليشيا الحوثي والقوى الإرهابية الجنوب في عام 2015م، استعاد أبو اليمامة بندقيته، ليس فقط كمقاتل بل كقائد بوصلة… شارك في أبرز المعارك التي غيرت مجرى الحرب ومنها:
1- تحرير معسكر العر بردفان (2011م)٬ إحدى أهم النقاط العسكرية في القطاع الغربي، وكان له دور بارز في إحكام السيطرة عليه.
2- تحرير المنصورة من تنظيم القاعدة (2015م)٬ المعركة التي اعتبرها كثيرون أول تجربة ميدانية ناجحة للقوات الجنوبية ضد الجماعات المتطرفة، وقادها أبو اليمامة بحنكة ميدانية.
3- تأمين يافع (2016م)٬ استطاع تثبيت الأمن في منطقة كانت هدفًا لتحركات إرهابية.
4- تحرير محافظة أبين (2019م) – كان في الصفوف الأولى للقضاء على الخلايا الإرهابية النائمة وفلول التطرف.

الشهيد أبو اليمامة الذي أسس القوة الضاربة:
لم يكتفي بالقتال، بل ساهم في تأسيس ألوية الدعم والإسناد، القوة الجنوبية الأشهر في مجال مكافحة الإرهاب وحماية الأمن… عُيّن قائدًا لـ اللواء الأول دعم وإسناد، وهو اللواء الذي أصبح رمزًا للقوة والانضباط والنخبة.

بفضل أبو اليمامة، تحولت هذه القوة إلى عقيدة وطنية لا تباع ولا تُشترى، هدفها الأول حماية الإنسان الجنوبي والأرض الجنوبية، في وجه كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الجنوب.

استشهاد في وضح النهار.. ورحيل يهز الجنوب:
صبيحة الخميس 1 أغسطس 2019م، وفي لحظة غادرة، استهدفت طائرة مسيرة حفلًا عسكريًا في معسكر الجلاء بالبريقة – العاصمة عدن… لم يكن الهدف فقط إرباك المشهد العسكري، بل اغتيال الروح الجنوبية المتجسدة في شخص العميد أبو اليمامة.

استشهد القائد في الهجوم، لكن ذكراه لم تدفن. بل تحول إلى رمز خالد في قلوب الجنوبيين، وراية ترفع كلما اشتد الصراع.

في الختام:
الشهيد أبو اليمامة لم يكن قائدًا يمر مرور الكرام، بل كان منارة جنوبية يهتدى بها في الليالي الحالكة… ترك خلفه جيشًا مدربًا، وأرضًا مؤمنة، وراية لا تزال تُرفع في كل ميدان، ورغم أن العدو اغتال جسده، إلا أن روحه ما زالت تقاتل في كل جبهة، تهمس للمقاتلين: “لا تفرطوا بما دفعت فيه الدماء”.
اللهم إن عبدك القائد الشهيد منير أبو اليمامة، قد بذل روحه فداء لوطنه، ووقف كالطود في وجه الظلم والطغيان، فامنحه يا رب ما وعدت به الشهداء من نعيم مقيم.
اللهم اجزه عن الجنوب وأهله خير الجزاء، واغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وثبت أقدامه يوم العرض، وارزقه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم اجعل دمه الطاهر نورًا يضيء درب الأحرار، واجعل شهادته لعنة على كل من غدر أو خان أو تواطأ، وذخيرة في ميزان الحق إلى يوم الدين.

– نائب رئيس تحرير صحيفة “عدن الأمل” الإخبارية، ومحرر في عدد من المواقع الإخبارية.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار