استعادة دولة الجنوب والعقد الاجتماعي… بين الحق السياسي وتعقيدات التوقيت وتشابك المصالح

د. فائزة عبدالرقيب
يمر اليمن في ظل صراع سياسي مفتوح وتشابك معقد في موازين القوى بلحظة مفصلية تستوجب اعادة النظر في الاسس التي قام عليها الكيان السياسي والعقد الاجتماعي الناظم للعلاقة بين مكوناته، خصوصا في مرحلة ما بعد يوليو 1994م. ومع تفاقم الازمات السياسية والاقتصادية والانسانية، يبرز حق الشعوب في الدفاع عن مصالحها واختيار شكل الدولة ونظام الحكم الذي يلبّي تطلعاتها، وفقا لمبادئ القانون الدولي وحق تقرير المصير. غير أن ممارسة هذا الحق تظل مقيدة بالوسائل السلمية والمسؤولة، بما يصون حق التعبير، ويمنع تحوله الى اداة اكراه أو تهديد تمسّ أمن المواطنين او تقوض الامن القومي لا سيما في ظل التحديات الوجودية التي تواجهها الدولة اليمنية في معركتها ضد جماعة الحوثي الانقلابية.
الوحدة في جوهرها، ليست مجرد قرار سياسي او اجراء اداري، بل عقد اجتماعي يقوم على الرضا المتبادل والعدالة وتكافؤ الفرص والشراكة في السلطة والثروة، وضمان الحقوق والحريات. وعندما تفرغ هذه المقومات من مضمونها وتتحول الوحدة الى مصدر دائم للاختلال والصراع، فإن مراجعة هذا العقد تصبح حقا مشروعا، سواء عبر اصلاح مساره او اعادة التفاوض حول شروطه او البحث عن صيغ سياسية بديلة، شريطة أن يتم ذلك ضمن اطر سلمية وقانونية تحترم ارادة الشعوب وتحول دون الانزلاق الى الفوضى.
في هذا السياق، تبرز مطالب المجلس الانتقالي الجنوبي واعضائه ومؤيديه باستعادة الدولة الجنوبية بوصفها مطالب سياسية ذات بعد حقوقي، نابعة من شعور متراكم بالإقصاء والتهميش ومرتبطة بإخفاقات بنيوية في ادارة الدولة وفشل متكرر في تحقيق شراكة عادلة. غير أن الاقرار بعدالة القضية لا يعني تبرير اي ظرف سياسي او وسيلة تُستخدم لفرضها، فالقضية العادلة لا تحتاج الى تهديد لتُسمع، بل الى خطاب سياسي منظم وحجة قانونية واضحة وادوات نضال سلمية تحافظ على المشروعية والدعم الداخلي والدولي.
في المقابل، تواجه هذه المطالب تحديات موضوعية، في مقدمتها تعقيدات النزاع اليمني وتشابك المصالح الاقليمية والدولية، حيث تدار القضايا الوطنية غالبا ضمن مقاربات امنية وجيوسياسية تتجاوز منطق الحقوق. ويضاف الى ذلك تباين التصورات داخل المكونات الجنوبية بشأن شكل الدولة المنشودة وطبيعة نظامها السياسي، ما يحد من القدرة على بلورة مشروع وطني متكامل وقابل للتطبيق.
كما يفرض الواقع الاقتصادي والانساني المتدهور التزامات لا يمكن تجاهلها، إذ لا ينفصل اي مشروع سياسي عن قدرته على ضمان الاستقرار المؤسسي وتوفير الخدمات الأساسية وحماية السلم الاجتماعي ومنع اعادة انتاج الصراع بأشكال جديدة.
وامام هذا المشهد، تبدو الخيارات القانونية والسياسية محصورة بين مسارين: اصلاح جذري لمسار الوحدة عبر صيغة دستورية عادلة تضمن الشراكة الحقيقية ودولة القانون او الشروع في حوار وطني مسؤول حول بدائل سياسية متوافق عليها. غير أن التخوف المشروع يكمن في طرح هذه المطالب في توقيت سياسي وامني هش، ومن دون اطار قانوني واضح او توافق وطني كاف، بما قد يفضي الى فراغ دستوري وصراعات جديدة بدلا من تسوية منظمة ومستدامة.
إن عدالة قضية الجنوب لا خلاف عليها من حيث المبدأ، غير أن التوقيت والوسيلة يشكلان جزءا لا يتجزأ من مفهوم العدالة ذاته. ولعل اخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس تعدد المطالب بل غياب ارادة وطنية جامعة لادارتها ضمن اطار قانوني رشيد يضع مصلحة الوطن والمواطنين فوق الحسابات الضيقة ويحصن القرار الوطني من التبعية والارتهان لإملاءات الخارج.



