الحوار الجنوبي في الرياض… إدارة الرمزية لا تفويض الانفصال

محمد العامري

ليس ما جرى في مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض حدثآ عابرآ أو تفصيلآ بروتوكوليآ يمكن قراءته بسطحية كما أنه ليس انقلابآ على ثوابت الموقف السعودي ولا تبنيآ خفيآ لمشروع الانفصال كما يحاول البعض الترويج.

ما حدث في جوهره هو إدارة سياسية دقيقة لملف شديد التعقيد تستخدم فيه الرمزية كأداة احتواء لا كإقرار بالمسارات القصوى. إن رفع العلم الجنوبي وترديد النشيد وإصدار بيان بصيغة جنوبية لا يعني منح شرعية سياسية لمشروع الدولة المنفصلة بقدر ما يعكس إدراك الراعي الإقليمي لواقع قائم لا يمكن تجاهله أو القفز عليه.

السياسة بخلاف الشعارات لا تُدار بالرغبات بل بتفكيك الأزمات وتقليل كلفها. السعودية هنا تعاملت مع خطاب موجود ومؤثر داخل الجنوب لا لأنها تتبناه بل لأنها تريد نقله من مربع الشارع والتعبئة والاستفزاز إلى مربع الحوار المنضبط والمسؤولية السياسية.

الرهان الحقيقي في هذا الحوار لا يكمن في الأعلام ولا في الأناشيد بل في القدرة على تحويل المكونات الجنوبية من أدوات ضغط وابتزاز موسمي إلى أطراف سياسية خاضعة لسقف واضح… يمن واحد ومسار سياسي شامل وشراكة داخل مؤسسات الدولة لا خارجها.

فالدول لا تُبنى بالرموز وإنما بالمؤسسات ولا تُدار بالاستفزاز بل بالقانون والاقتصاد واحتكار السلاح. فمن الخطأ الاعتقاد أن السعودية تغيّر موقفها من وحدة اليمن. فالمعادلة الاستراتيجية ثابتة… تفكك اليمن خطر مباشر على أمن الإقليم والانفصال لن ينتج دولة مستقرة بل كيانات متنازعة وموانئ متصارعة وحدود ملتهبة.

لهذا فإن السماح بالرمزية هو محاولة لنزع فتيل التصعيد وسحب الذرائع من خطاب المظلومية وكشف حقيقة المشاريع أمام اختبار المسؤولية لا الهتاف.

كما أن قراءة المشهد بمعزل عن الغضب الشعبي والمظاهرات الأخيرة قراءة ناقصة. تلك الاحتجاجات كشفت أن الشارع الجنوبي – كما بقية اليمن – لم يعد مستعدآ لتمويل الأوهام ولا لقبول تحويل قضاياه العادلة إلى أوراق استثمار سياسي رخيص.

الناس تريد خدمات ودولة ورواتب وأمن لا مزيدآ من الشعارات التي تُرفع ثم تُساوَم ثم تُباع.

الحوار في الرياض… إذآ ليس مكافأة لأحد بل صمام أمان مؤقت واختبار نوايا صارم. من سيتعامل معه كمدخل لبناء شراكة حقيقية داخل الدولة سيجد نفسه جزءآ من الحل. ومن سيحوّله إلى منصة ابتزاز جديدة سيكتشف – عاجلآ لا آجلآ – أن السياسة لا تحترم من يسيء استخدامها وأن من يُستعمل مرحليآ يُستغنى عنه حين تنتهي الحاجة.

اليمن لا يحتاج مزيدآ من الأعلام بل مشروع دولة ولا يحتاج نشيدآ جديدآ بل عقدًا وطنيآ عادلآ. وكل حوار لا يقود إلى هذا المسار مهما بدا صاخبًا لن يكون سوى محطة أخرى في إطالة الأزمة لا حلها.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار