بـيـن سـطـوة الـقـرابـة والـولاء الـحـزبـي.. ومـسـتـقـبل الـسـيادة

صادق المليكي
لا يقاس رقيّ الدول بضخامة ميزانياتها ولا بحداثة عمرانها، بل بمدى صمود “العدالة التوزيعية” أمام عواصف المحسوبية والولاءات الضيقة. إنّ أخطر ما يواجه كيان الدولة الحديثة هو تحوّل الوظيفة العامة من “حق مشاع للكفاءة” إلى “غنيمة حصرية” تُمنح عبر بوابات القرابة أو بطاقات الانتماء الحزبي، مما يخلق هوّة سحيقة بين السلطة والمجتمع، ويقوّض سيادة الدولة في صميمها.
مـنـطق “الـزبـائـنـيـة” وضـيـاع الـدولـة
عندما تُدار المؤسسات بمنطق “العلاقات” بدلاً من “الأنظمة”، فنحن نؤسس لدولة الهشاشة. فالولاء الحزبي الذي يسبق الكفاءة، وسطوة القرابة التي تلغي الاستحقاق، هما في الواقع “تأميم” لمقدرات الوطن لصالح فئات محدودة. إن الموظف الذي يصل إلى موقعه بفضل “نافذة خلفية” سيظل مداناً بالولاء لولي نعمته، لا للقانون الذي يخدمه، وهو ما يُنتج قيادات مرتهنة عاجزة عن صيانة هيبة الدولة أو حماية مصالحها العليا.
”الـنـافـذة الـمـوحـدة”: الـحـل الـجـذري
إن حماية الوطن من الترهل تتطلب ثورة إجرائية؛ تبدأ بإنشاء “نافذة وطنية موحدة للتوظيف”، تكون هي الفيصل الوحيد والمسطرة التي يُقاس بها الجميع. إن هذه النافذة ليست مجرد آلية إدارية، بل هي “صمام أمان” أخلاقي يضمن أن ابن المسؤول، مهما بلغ نفوذ والده، وابن المواطن البسيط، يقفان على خط بداية واحد.
إنّ اختيار “الأجدر” عبر هذه القنوات المفتوحة والنزيهة هو الضمان الوحيد لفرز قيادات وطنية تمتلك شرعية الإنجاز لا شرعية الوراثة، قيادات تضع سيادة الدولة فوق أي اعتبار، لأنها ولدت من رحم الاستحقاق لا من رحم التوصية.
إيـثـار الـوطـن عـلـى الـذات
إن حب الوطن الحقيقي يتطلب أحياناً “إيثاراً” من نوع خاص؛ وهو أن ندرك أن المواقع العامة أمانات ثقيلة لا تُهادى. إن الابتعاد خطوة إلى الخلف وترك الساحة لمن هو “الأقدر” فنياً وإدارياً هو قمة الانتماء. نحن بحاجة لمؤسسات تعيش أطول من الأسماء، وتصمد أمام تقلبات الأشخاص، مؤسسات تُبنى بالعقول لا بالوعود الحزبية، وبالمعايير لا بالصلات العائلية.
خـاتـمـة: الـسيادة تـقـوم عـلى الأكـتـاف الـقـويـة
إن سيادة الدولة ليست مجرد شعار، بل هي قدرة المؤسسة على قول “لا” لأي ضغط خارجي أو محسوبية داخلية. إننا أمام خيارين: إما دولة تُدار بالعلاقات فتتآكل شرعيتها، أو دولة تُدار بالأنظمة والكفاءة فتتعاظم هيبتها. ولا سبيل لاستعادة بريق الدولة إلا بفتح نوافذ الأمل أمام المبدعين، وجعل الكفاءة هي العملة الوحيدة والوحيدة فقط، ليبقى الوطن حصيناً، والقيادة نزيهة، والسيادة راسخة.



