مشهد إنساني يتآكل بصمت

موسى المليكي

قرب أحد الشوارع المتصلة بسوق شعبي في مدينة تعز وقف رجل تبدو على ملامحه سنوات من التعب. التفت يمنة ويسرة، كأنه يتأكد أن أحدًا لا يراه، ثم بدأ يقلب بهدوء صندوق القمامة بحثًا عن بقايا طعام. لم يكن يبحث عن شيء ثمين، فقط عن ما يُبقيه على قيد يوم آخر. يتكرر هذا المشهد تقريبًا كل يوم في مدينة تعز.

نساء وأطفال يقفون قرب المطاعم، ينتظرون أن يُرمى شيء يمكن التقاطه. رجال يقفون عند مكبات النفايات بدافع الجوع. لقد وصل الأمر إلى مرحلة لم يعد فيها المواطن يبحث عن تحسين معيشته أو بناء مستقبله؛ بل يبحث عن الضروري الأول: الطعام. تراجعت أولويات كثيرة أمام لقمة العيش، وأصبحت احتياجات أساسية أخرى مؤجلة إلى إشعار غير معلوم. بعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة، كان الأمل معقودًا على تحسن ملموس في حياة الفئات الأضعف، وإعادة ترتيب الأولويات بما يخفف عنهم عبء الغلاء والانقطاع وعدم الاستقرار. لكن ما يراه الناس اليوم هو واقع صعب: أسعار تتصاعد، دخول محدودة، فرص عمل نادرة، ومشهد إنساني يتآكل بصمت.

والمفارقة أنك في مدينة تعز ذاتها ترى واقعًا آخر؛ سيارات فارهة تجوب الشوارع، فلل فخمة، ومظاهر رخاء لا تشبه معاناة الأحياء الشعبية. في مدينة واحدة، حيان متوازيان: حياة رفاه، وحياة بقاء.

هذه المعادلة ليست جديدة في التاريخ؛ كثير من المجتمعات عرفت فترات اتسعت فيها الفجوة بين من يملك ومن لا يملك، ولم يبدأ التغيير إلا حين طُرح السؤال الأخلاقي: كيف يمكن أن يستمر هذا التفاوت؟ كيف نعيد الحد الأدنى من الكرامة لمن يبحث عن لقمة في القمامة؟ كيف نقلص الفجوة بين من يعيشون فوق العاصفة ومن يقفون تحتها؟ المشكلة ليست في وجود أغنياء، بل حين تصبح الفرص غير متكافئة الا لفئة محددة ، وحين يبدو الفقر وكأنه قدر لا مخرج منه. صنعاء مدينة بتاريخ عريق، عُرفت بالصبر والتكافل، لكن التكافل وحده لا يكفي إذا غابت منظومة تحمي الأضعف. في لحظة ما يدرك الإنسان أن الكرامة ليست رفاهية، وأن الطعام ليس امتياز ، وأن العدالة ليست خيارًا يمكن تأجيله. كم من مشهد لرجل يفتش في القمامة نحتاج قبل أن نقول إن هذا ليس قدرًا… بل خلل يجب إصلاحه.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار