عندما يشيب الوفاء… ويغيب الإنصاف.

منى علي سالم البان
هناك رجال ونساء أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن، حملوا على عاتقهم المسؤولية في أصعب الظروف، وسهروا الليالي لإنجاز أعمالهم، حتى شابت رؤوسهم وهم يؤدون واجبهم بإخلاص وأمانة. لم تكن الوظيفة بالنسبة لهم مجرد مصدر رزق، بل كانت رسالة، وعهداً قطعوه على أنفسهم بأن يخدموا وطنهم بكل ما يملكون من جهد وخبرة وصدق.
لكن المؤلم أن هؤلاء، بعد عقود من العطاء، يجدون أنفسهم اليوم تحت إدارة مسؤولين ومدراء من جيل أحدث، وصل بعضهم إلى المناصب بسرعة، فأصبحوا أصحاب القرار في مصير من سبقوهم بسنوات طويلة من الخبرة والعطاء. وليس العيب في أن يتولى الشباب القيادة، فلكل جيل دوره، وإنما العيب أن تُهمَّش الخبرات، ويُغيَّب الاحترام، ويُستبدل التقدير بالتعالي، والإنصاف بالمحاباة.
كم هو مؤسف أن يقف موظف تجاوز الثلاثين أو الأربعين عاماً في خدمة الدولة، ينتظر قراراً من مسؤول لا يعرف حجم التضحيات التي قدمها، ولا يقدّر قيمة السنوات التي أفناها في خدمة المؤسسة والوطن. فتُهضم الحقوق، وتُتخذ القرارات بعيداً عن العدالة، وكأن تاريخاً طويلاً من الإخلاص لا يساوي شيئاً.
إن الخبرة ليست عبئاً يُتخلص منه، بل ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها. والموظف الكبير في السن ليس مجرد رقم في كشوفات الخدمة، بل ذاكرة مؤسسة، ومستودع تجارب، ومعلم للأجيال الجديدة. واحترامه وتقديره ليس منّة، بل واجب أخلاقي وإداري يعكس رقي المؤسسات وعدالة قياداتها.
إن بناء المستقبل لا يكون بإقصاء من صنعوا الماضي، بل بالتكامل بين حماس الشباب وحكمة أصحاب الخبرة. فالوطن الذي يكرم أبناءه المخلصين هو الوطن الذي يصنع مستقبلاً أكثر عدلاً واستقراراً. أما تجاهل من أفنوا أعمارهم في خدمته، فهو خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل بفقدان قيم الوفاء والإنصاف.
وفي النهاية، سيبقى التاريخ شاهداً على أن الأوطان لا تنهض بالمناصب وحدها، وإنما تنهض بأبنائها الذين أخلصوا لها في شبابهم، ويستحقون في شيخوختهم كل احترام وتقدير، لا التهميش والإجحاف. فالوفاء لمن خدموا الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس، وعدالةٌ يجب أن يشعر بها كل من أفنى عمره في خدمة وطنه.
تحية حب و إجلال لكل موظف شابت لحيته أو اشتعل رأسه شيباً وهو يؤدي واجبه بأمانة، ولكل من جعل خدمة الوطن شرفاً لا وظيفة، ورسالة لا راتباً. فهؤلاء هم من يستحقون أن تُرفع لهم القبعات، وأن يُكتب تاريخهم بحروف من وفاء، لا أن يُتركوا فريسة لقرارات تفتقر إلى الإنصاف، أو لمناصب نسيت أن السلطة الحقيقية تبدأ باحترام الإنسان.



