حين تُحاصَر الحقيقة… يبدأ الوطن في خسارة صوته

موسى المليكي

ليست الأمم التي تخشى العواصف هي التي تسقط أولًا، بل الأمم التي تخشى سماع صوت الريح وهي تنذر بقربها. فالعاصفة لا تبدأ حين تقتلع الأشجار، وإنما تبدأ حين يتجاهل الناس أول ورقة ارتجفت فوق غصنها.
وهكذا هي الأوطان.
لا تنهكها الأخطاء الصغيرة بقدر ما ينهكها الإصرار على إنكارها، ولا تضعفها الأصوات التي تشير إلى مواضع الخلل، بل يضعفها الصمت الذي يترك الخلل يتسع حتى يصبح جزءًا من المشهد، فلا يعود أحد يراه.
إن الحقيقة لا تطلب امتيازًا، ولا تسعى إلى سلطة، ولا تنافس أحدًا على منصب. كل ما تريده هو أن تجد من يصغي إليها قبل أن تتحول الهمسات إلى صرخات، والملاحظات إلى أزمات، والأسئلة المؤجلة إلى أثقال يحملها الجميع.
ولقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تُهزم في ساحات القتال وحدها، وإنما قد تُهزم قبل ذلك بكثير، عندما تفقد القدرة على محاسبة نفسها، ومراجعة أخطائها، والاستماع إلى من يخالفها بحجة أو دليل. فما قيمة عينين مفتوحتين إذا كان العقل قد أغلق نوافذه، وما قيمة آذان تسمع الأصوات كلها إذا كانت لا تسمح للحقيقة أن تعبر إليها؟
إن أخطر أنواع الصمت ليس صمت الخائف، بل صمت العارف. أن يرى الإنسان الخلل بعينيه، ثم يبتلع كلماته، لا لأنه اقتنع بأن السكوت أصلح، بل لأنه أيقن أن كلماته لن تجد أذنًا تسمعها أو مساحة تتسع لها. عندها تخسر المجتمعات شيئًا لا يُعوَّض بسهولة: تخسر ضميرها الحي.
وما أكثر الذين يظنون أن المديح المستمر دليل قوة، مع أن الإنسان العاقل لا يثق بمن لا يرى فيه عيبًا، فكيف بدولة أو مؤسسة أو مجتمع؟ إن الثناء الذي لا يعرف موضع النقد يشبه مرآة لا تعكس إلا نصف الوجه، أما النصف الآخر فتتركه للظلام.
وليس النقد خصومة، ولا المعارضة عداوة، ولا الاختلاف خيانة. إنما هي وجوه متعددة لحرص الإنسان على أن يكون الغد أفضل من اليوم. فالطبيب الذي يخبر مريضه بموضع الداء لا يكرهه، بل يحاول إنقاذه. والمهندس الذي يحذر من تصدع الجدار لا يهدم البيت، بل يمنع انهياره. وكذلك الكلمة الصادقة؛ قد تؤلم لحظة، لكنها تحمي سنوات.
غير أن المأساة تبدأ حين يصبح تزيين الواقع أسهل من إصلاحه، وحين يعلو صوت المصفقين على صوت الناصحين، وحين تُكافأ المجاملة أكثر مما تُكافأ الأمانة. هناك لا تتغير الحقائق، وإنما تتغير قدرة الناس على رؤيتها.
وحين يُدفع أصحاب الفكر والخبرة إلى الهامش، لا يخسرون وحدهم، بل يخسر المجتمع معهم. فالعقول لا تتوقف عن الإبداع، لكنها قد تبحث عن بيئة تُقدِّر العلم، وتحترم الرأي، وتفسح المجال للكفاءة. وما أثقل خسارة وطن يودع أبناءه المبدعين، لا لأنهم كرهوا أرضه، بل لأنهم لم يجدوا فيها المساحة التي يحلمون أن يعطوا فيها أفضل ما لديهم.
وما أجمل وطنًا لا يخشى السؤال، ولا يغضب من النصيحة، ولا يرى في الكلمة الصادقة خصمًا. فالثقة الحقيقية لا تُبنى على إسكات الأصوات، وإنما على القدرة على محاورتها. والأوطان الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى أن تُجمّل صورتها، لأنها تنشغل بإصلاح واقعها، وتدرك أن الحقيقة، مهما كانت مرة، أقل كلفة من الوهم مهما بدا جميلًا.
إن الكلمة أمانة، ومن يحملها لا يجوز له أن يجعلها مطية لهوى، ولا أداة لتشويه، ولا وسيلة لإشعال الفتن. فالكلمة التي تهدم بلا حق جريمة، والكلمة التي تسكت عن الحق تقصير، أما الكلمة التي تنصح بعلم، وتنتقد بعدل، وتقترح بإخلاص، فهي من أجلِّ صور الوفاء للأوطان.
إن الأوطان لا تحتاج إلى أصوات مرتفعة بقدر حاجتها إلى ضمائر يقظة. تحتاج إلى رجال ونساء إذا رأوا خيرًا أعانوا عليه، وإذا رأوا خطأً نبّهوا إليه، لا رغبة في التشهير، ولا طلبًا لمكسب، بل إيمانًا بأن الأوطان تكبر كلما كبر فيها الصدق، وتضعف كلما اتسعت فيها مساحة المجاملة على حساب الحقيقة.
فإذا أردت أن تعرف مستقبل أي أمة، فلا تسأل عن عدد مبانيها الشاهقة، ولا عن حجم ثرواتها، ولا عن كثرة شعاراتها، بل انظر: هل ما زالت الحقيقة تجد من يقولها؟ وهل ما زال النقد المسؤول يجد من يسمعه؟ وهل بقي الضمير حيًا لا يبيع كلمته ولا يخشى أداء أمانته؟
فما دام في الأمة من يكتب بصدق، ويتكلم بعدل، ويختلف بأدب، ويخلص في نصيحته، فإن باب الإصلاح يظل مفتوحًا، والأمل يبقى حيًا، والمستقبل يظل قادرًا على أن يكون أجمل من الحاضر.
أما حين يصبح الصمت فضيلة، والمجاملة حكمة، وتزيين الواقع سياسة، فهناك لا تبدأ خسارة الحقيقة وحدها… بل يبدأ الوطن في خسارة صوته.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار