آخر العلاج الكي… فهل يتعلم الجنوب من دروس التاريخ قبل فوات الأوان؟

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
لا تسقط الأوطان في يوم واحد، ولا تنهار القضايا الوطنية بضربة واحدة، بل تبدأ الحكاية عندما يعلو صوت المجاملة على صوت الحقيقة، ويُكافأ الفشل، ويُحاصر أصحاب الكفاءة، ويصبح الكرسي أغلى من الوطن.
قبل عامين، كتبت مقالًا بعنوان “آخر العلاج الكي… وطرد القيادة الفاسدة هو الجرح الذي يحتاج علاجًا فوريًا”.
يومها اعتبره البعض قاسيًا، لكن الواقع يثبت أن المرض الذي يترك بلا علاج لا يختفي، بل ينتشر حتى يهدد الجسد كله.
التاريخ لا يكذب… روما لم تسقط لأنها أصبحت ضعيفة عسكريًا فقط، بل لأن الفساد نخر مؤسساتها حتى فقدت الدولة قدرتها على حماية نفسها. والأندلس لم تضِع لأن فرسانها جبناء، بل لأن أمراءها انشغلوا بصراعاتهم، حتى صار كل واحد منهم يبحث عن انتصار على أخيه أكثر من انتصار على خصمه.
ويقول المثل العربي: “أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض”.
لم يبدأ السقوط يوم جاء الدور على الثور الأسود، بل يوم صمت عندما التهم الذئب رفيقه. هكذا تضيع الأوطان؛ بالصمت عن الخطأ، وبالدفاع عن الفشل، وبالتبرير لمن لا يستحق.
إن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى شجاعة في اتخاذ القرار. فالقيادة ليست لقبًا، بل مسؤولية، والمنصب ليس مكافأة أبدية، بل تكليف يخضع للمحاسبة. ومن ينجح يستحق الدعم، ومن يفشل يجب أن يُقيَّم ويُحاسَب وفق القانون والمؤسسات، لأن بقاء الخلل دون معالجة يحمّل الوطن كله الثمن.
لقد علمتنا التجارب أن السفينة لا تغرق بسبب البحر، بل عندما يتسرب الماء إليها ولا يبادر أحد إلى إصلاح الثقب…وعندما ينشغل ركابها بتبادل الاتهامات بدل إنقاذها، تكون النهاية معروفة.
إن أخطر ما يواجه أي قضية وطنية ليس الخصوم وحدهم، بل ألاعداء الداخليين أن الوقت كفيل بحل كل شيء. فالوقت لا يعالج الأخطاء، بل يكشف آثارها ويضاعفها إن لم تُعالج.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالشفافية، والمساءلة، وتجديد الكفاءات، ووضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية. فالأوطان لا تُبنى بالمجاملات، وإنما تُبنى بالقرارات الصعبة عندما تقتضيها المصلحة العامة.
سيكتب التاريخ يومًا أن الجنوب مرّ بمنعطف حاسم، ولن يسأل: كم كان عدد الخطب والبيانات؟
بل سيسأل سؤالًا واحدًا: هل امتلك أصحاب القرار شجاعة الإصلاح عندما كانت الفرصة ما تزال قائمة، أم تركوا الزمن يكتب القرار بدلًا عنهم؟
فالفرص، كما يقول التاريخ، لا تموت فجأة… لكنها تغادر بصمت، ولا تعود دائمًا.



