عندما يعزف الشباب عن كلية التربية.. من سيعلّم أبناء اليمن؟

موسى المليكي

ليست المشكلة أن عدد المقبولين في كلية التربية بجامعة تعز انخفض بنسبة تجاوزت 81% خلال اثني عشر عامًا، بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في الرسالة التي تحملها هذه الأرقام: مهنة التعليم لم تعد جاذبة، بل أصبحت خيارًا يتجنبه كثير من الشباب.

قد يقرأ البعض هذه الأرقام باعتبارها مجرد تراجع في الإقبال على أحد التخصصات الجامعية، لكن من ينظر إليها بعمق سيدرك أنها جرس إنذار لمستقبل التعليم في اليمن. فالمعلم هو حجر الأساس لأي عملية تعليمية، وإذا توقف إنتاج المعلمين اليوم، فإن المدارس ستدفع الثمن بعد سنوات.

الأخطر من انخفاض أعداد المقبولين هو اختفاء طلاب بعض التخصصات العلمية تقريبًا. فعندما لا يلتحق أحد بقسم الرياضيات لسنوات، ويتوقف التسجيل في الفيزياء والكيمياء، ثم تنعدم أعداد الملتحقين بعلوم الحياة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من سيقف أمام السبورة لتدريس هذه المواد بعد خمس أو عشر سنوات؟

لا يمكن تحميل الجامعات وحدها مسؤولية هذه الأزمة، لأنها تعكس واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكبر. فمن الطبيعي أن يعزف الشباب عن مهنة لا توفر دخلًا كافيًا ولا استقرارًا وظيفيًا ولا مكانة اجتماعية توازي حجم مسؤوليتها. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يصبح البحث عن مصدر رزق أكثر إلحاحًا من اختيار مهنة نبيلة لا تضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

لكن استمرار هذا الواقع يحمل ثمنًا باهظًا. فالعجز في أعداد المعلمين لن يظل مشكلة داخل أسوار الجامعات، بل سينتقل إلى المدارس، ثم إلى جودة التعليم، ثم إلى مستوى مخرجاته. وعندما يتراجع التعليم، تتراجع قدرة المجتمع على إعداد الأطباء والمهندسين والباحثين والمعلمين أنفسهم، لتدخل المنظومة في دائرة يصعب كسرها.

ولا يبدو أن الحل يكمن في زيادة أعداد المقبولين فقط، لأن المشكلة ليست في المقاعد الجامعية، بل في جاذبية المهنة نفسها. فالطالب ينظر إلى مستقبله قبل أن يختار تخصصه، وإذا وجد أن سنوات الدراسة ستقوده إلى وظيفة منخفضة الدخل وضعيفة الحوافز، فمن المنطقي أن يبحث عن بدائل أخرى.

لذلك فإن إعادة الاعتبار للتعليم تبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم. تحسين أوضاعه المعيشية، وتوفير حوافز حقيقية، وضمان بيئة عمل مستقرة، ليست مطالب فئوية، بل استثمار مباشر في مستقبل البلاد. فالدول لا تبني نهضتها بالمدارس وحدها، وإنما بالمعلمين القادرين على تحويل تلك المدارس إلى مصانع للمعرفة.

الأرقام الصادرة عن جامعة تعز ليست مجرد إحصاءات جامعية، بل مؤشر يستحق أن تتوقف أمامه الجهات المعنية والمجتمع بأسره. لأن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس: لماذا انخفض الإقبال على كلية التربية؟ بل: ماذا سيحدث للتعليم إذا استمر هذا الانخفاض؟
إن أخطر الأزمات ليست تلك التي تنفجر فجأة، بل التي تنمو بصمت حتى يصبح علاجها أكثر كلفة وتعقيدًا. وما يحدث اليوم في كليات التربية قد يكون واحدًا من تلك الأزمات الصامتة التي سترسم ملامح التعليم في اليمن خلال العقد القادم.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار