من يدرّس أبناء اليمن غدًا.. انهيار الإقبال على كلية التربية بجامعة تعز ينذر بكارثة تعليمية صامتة

تعز – موسى المليكي

لم يعد تراجع الإقبال على كلية التربية بجامعة تعز مجرد رقم في سجلات القبول، بل تحول إلى مؤشر خطير يكشف أزمة عميقة تهدد مستقبل التعليم في اليمن. فبحسب بيانات رسمية لجامعة تعز، انخفض عدد المقبولين في الكلية من 1,924 طالبًا وطالبة في العام الجامعي 2012م / 2013م إلى 355 فقط في 2024م/2025م، أي بتراجع يقارب 81.5% خلال اثني عشر عامًا.
هذه الأرقام لا تعني فقط أن عددًا أقل من الطلاب اختاروا دراسة التربية، بل تشير إلى أن اليمن قد يواجه خلال السنوات المقبلة أزمة حقيقية في توفير المعلمين، خصوصًا في التخصصات العلمية التي يعتمد عليها بناء الكفاءات الوطنية.

الأكثر إثارة للقلق أن بعض الأقسام العلمية لم تعد تستقبل طلابًا جددًا. فقد توقف الالتحاق بقسم الرياضيات لعدة سنوات متتالية، كما توقفت أقسام الفيزياء والكيمياء عن استقبال طلاب جدد خلال السنوات الأربع الماضية، بينما انعدم الالتحاق بقسم علوم الحياة خلال العامين الأخيرين. وهذه مؤشرات تعني أن رفد المدارس بمعلمين جدد في هذه التخصصات أصبح مهددًا بشكل مباشر.

وراء هذا التراجع تقف مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ضعف العائد الاقتصادي لمهنة التعليم، وتراجع مكانتها الاجتماعية، وغياب الحوافز الوظيفية، واستمرار الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت كثيرًا من الشباب إلى البحث عن تخصصات أو أعمال توفر فرصًا أفضل للدخل والاستقرار.

ولا تتوقف خطورة الأزمة عند الجامعات، بل تمتد إلى المدارس وسوق العمل. فكل عام يقل فيه عدد خريجي كليات التربية، يقترب النظام التعليمي خطوة إضافية من نقص المعلمين، وارتفاع أعباء العاملين الحاليين، وتراجع جودة العملية التعليمية، خاصة في المواد العلمية التي تعاني أصلًا من نقص الكفاءات.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تجد المدارس نفسها أمام معادلة صعبة: فصول دراسية بلا معلمين متخصصين، أو الاعتماد على معلمين من خارج تخصصاتهم، وهو ما قد ينعكس على مستوى التحصيل العلمي لأجيال كاملة.

إن مواجهة هذه الأزمة لا تقتصر على فتح باب القبول في الكليات، بل تتطلب إعادة الاعتبار لمهنة التعليم عبر تحسين الرواتب والحوافز، وتوفير بيئة عمل مستقرة، وتطوير برامج إعداد المعلمين، وربطها باحتياجات المدارس الفعلية، حتى تصبح مهنة التعليم خيارًا جاذبًا لا ملاذًا أخيرًا.

فالخطر الحقيقي ليس في انخفاض أعداد المقبولين اليوم، بل في الفراغ الذي قد يتركه غيابهم داخل الفصول الدراسية بعد سنوات. وإذا كانت الجامعات هي مصنع المعلم، فإن الأرقام الحالية تشير إلى أن هذا المصنع يعمل بأقل من خمس طاقته تقريبًا، وهو إنذار يستحق أن يُقرأ باعتباره قضية وطنية تمس مستقبل التعليم في اليمن، لا مجرد تراجع في مؤشرات القبول الجامعي.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار