سادة النفط… وعبيد القرار

روعة جمال
كان العرب بالأمس سادة الدنيا.حملوا مشاعل الفتوحات على أكتافٍ لا تعرف الانحناء، وكتبوا الحضارة بسيوفٍ ترهب، وبأقلامٍ تُبهر.كانت كلمة “عربي” وحدها ترعب العروش، وكان اسم “المسلم” مرادفًا للعدل الذي يُقيم ميزان الأرض.
ثم انقلبت الموازين.تكالبت الخصومات، وتعفّنت النوايا، وأكلت الفتن الأخضر واليابس.فدخلنا عصر النكسة ونحن نرتدي تيجان الملوك، بينما قلوبنا قلوب عبيد.ضاعت البوصلة، واندثرت بطولات القادة، وتحولت أمجاد أمةٍ كانت تقود العالم إلى حكاياتٍ تُروى للأطفال قبل النوم.
واليوم… المرآة التي تجلدنا:
اليوم نملك مفاتيح اقتصاد العالم، ولا نملك قرارًا يعيد إلينا مجدنا.نملك النفط الذي تدور به مصانع القارات، ونملك موارد الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، ولكننا نملك من الذل أضعاف ما نملك من النخوة.
يقولون: “نحن ضعفاء بلا سلاح.”لكن الحقيقة، في نظر كثيرين، أن دول الخليج تعد من أهم منتجي الطاقة في العالم، وأن أي اضطراب كبير في إمدادات النفط ينعكس على الاقتصاد العالمي.
أيُعقل أن تمتلك أمة هذا الثقل الاقتصادي، ثم تعجز عن توحيد كلمتها والدفاع عن مصالحها؟
في جهة تراق دماء العرب، وفي جهةٍ أخرى تُعقد الصفقات في الغرف المغلقة، تحت شعارات الأمن والمصالح. وبين هذا وذاك، تبقى الشعوب هي من تدفع الثمن.
ويتردد الحديث عن تهديداتٍ تستهدف الاقتصاد والطاقة، بينما يرى آخرون أن امتلاك أوراق القوة الاقتصادية يمنح الدول مساحة أوسع للتأثير إذا أُحسن استخدامها ضمن توافقٍ سياسي.
واستحضار التجارب التاريخية، مثل مواقف الرئيس جمال عبد الناصر أو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، يظل جزءًا من الجدل السياسي والفكري، وتختلف الآراء حول تقييم تلك التجارب ونتائجها.
أين الداء؟
ليس الداء في نقص السلاح، ولا في قلة المال.بل في ضعف الإرادة، وتشتت الصف، وغياب المشروع الجامع، وتراجع منظومة القيم.
في أخلاقٍ دفناها تحت بساط المصالح، وفي نخوةٍ استبدلناها بالخوف، وفي مسؤوليةٍ ضحّينا بها من أجل مكاسب مؤقتة.
نحن أمة تمتلك إمكاناتٍ بشرية واقتصادية هائلة، ولو أحسنت توظيفها، لأصبحت قوةً مؤثرة في صناعة القرار الدولي.
الحقيقة التي تؤلم:
لسنا ضعفاء بطبيعتنا، ولكن ضعفنا يبدأ حين نفقد وحدتنا، ونُهمل العدل، ونسمح للمصالح الضيقة بأن تتغلب على المصلحة العامة.
الأمة التي كانت يومًا تقود الحضارة، أصبحت اليوم تكافح لاستعادة مكانتها.والأمة التي علّمت العالم معاني العزة والكرامة، لا تزال تملك القدرة على النهوض إذا امتلكت الإرادة، وأحسنت إدارة مواردها، وأعادت بناء وحدتها على أسسٍ من العدل والمسؤولية.
فإما أن نُصلح واقعنا، ونعيد الاعتبار لقيمنا ووحدتنا، وإما أن نستمر في إهدار ما نملك، حتى يأتي يوم لا يبقى فيه ما نفتخر به، ولا ما نستند إليه لاستعادة مكانتنا.



