من يملك حق تقرير الطيبات

حسن الكنزلي

في صباح أحد الأيام، دخلت أمٌّ إلى غرفة ابنها المراهق لتجده قد أخرج من الثلاجة كل أنواع الألبان واللحوم، وألقى بها في سلة المهملات. سألته في دهشة، فأجاب بثقة تامة: “هذا حرام، قالوا إنه يسبب السرطان”. لم تسأل الأم عن “القائل”، ولم تبحث عن الدليل؛ لكنها وجدت نفسها أمام حقيقة مريرة: تحولت الموائد اليوم إلى ساحة حرب فكرية لا تقل خطورة عن أي معركة عقائدية، حيث تُتخذ القرارات المصيرية بشأن صحة الأبدان وسلامة الأرواح استنادا إلى مقاطع فيديو ومتابعين، لا إلى علم راسخ ولا إلى دليل قاطع.
ليست هذه حكاية فردية؛ بل انعكاس لظاهرة أوسع تجتاح مجتمعاتنا: تحويل الآراء الشخصية والتجارب الفردية إلى تشريعات عامة، وكأن ما يناسب هذا الشخص أو ذاك يجب أن يكون قاعدة ملزمة للجميع. في خضم هذه الفوضى المعرفية، تختلط الحدود الفاصلة بين النصيحة الطبية الخاصة والحكم الشرعي العام، بين ما هو دين ثابت وما هو رأي متغير.

لفهم هذه الظاهرة؛ لا بد من الغوص في أعماقها النفسية والاجتماعية؛ فالمريض الذي أنهكه الألم، والأب الذي يرى فلذة كبده يتألم، والأم التي تخشى على صغيرها؛ كل هؤلاء يتوقون إلى منقذ، إلى حل سحري يضع حدًا لمعاناتهم. وهنا تكمن المفارقة: الإنسان في أشد لحظات ضعفه يكون أكثر قابلية للوقوع في فخ الحلول السهلة، أكثر استعدادًا للتصديق بأي وعد بالخلاص، مهما كان مصدره.

وتأتي وسائل الإعلام الجديدة لتضاعف هذه القابلية أضعافا؛ ففي عصر اختزلت فيه المعرفة في مقاطع لا تتجاوز الدقائق، وأصبح المؤثر هو من يتقن مخاطبة العواطف لا من يمتلك العلم الراسخ؛ تحولت المنصات الرقمية إلى أسواق مفتوحة لتداول الوصفات والفتاوى الغذائية. والأخطر أن الإنسان يعيش داخل شرنقة رقمية ضيقة، تصنعها له الخوارزميات، فلا يسمع إلا ما يؤكد قناعاته، حتى يظن أن العالم بأسره يقول بقوله، وهو في الحقيقة لا يسمع سوى صدى صوته. وهكذا تتشكل “القبائل الرقمية” التي لا يجمعها نسب ولا وطن، وإنما الإعجاب بشخص أو التعصب لفكرة، حتى يصبح الولاء للشخص لا للحق.

وهنا نصل إلى لب المسألة: إن من أعظم حقائق العقيدة أن التحليل والتحريم ليسا حقًا لطبيب، ولا لمفكر، ولا لداعية، ولا لحاكم؛ إنما هو حق خالص لله رب العالمين؛ لأنه الخالق، وهو الأعلم بما يصلح خلقه. يقول سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. فطيبات الله ليست ما تستحسنه الأذواق، ولا ما يروج في وسائل التواصل؛ وإنما هي ما أحله الله. والخبائث هي ما حرمه الله. والمعيار إلهي لا أهوائي.
وهذا الفرق دقيق؛ لكنه جوهري؛ ففرق كبير بين أن يقول الطبيب: “هذا الطعام قد لا يناسب حالتك الصحية”، وبين أن يقال للناس جميعًا: “هذا الطعام من الخبائث”. الأول نصيحة طبية خاصة تقوم على تشخيص فردي، والثاني حكم شرعي عام لا يملكه إلا الله. وقد أنكر الله على من حرم ما أحل فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
ولا يعني هذا التقليل من شأن الطب؛ بل هو تأكيد على التخصص. فالطبيب يُرجع إليه في تشخيص الأمراض؛ لكن الخبرة نفسها ليست معصومة. والعالم يؤخذ من قوله ويترك، والطبيب يصيب ويخطئ. ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال الإمام مالك: “كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر”.

ما يحدث اليوم هو تحويل للتجارب الشخصية إلى تشريعات عامة، وكأن ما نفع هذا الشخص ينفع الجميع. وهذا يتجاهل حقيقة إنسانية أساسية أقرها القرآن: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وأكدها الواقع العلمي في اختلاف الأجسام والأمراض وطرق الاستجابة للعلاج. فلو كان الأمر كما يدعي البعض؛ لما اختلفت الأمراض، ولما اختلفت الأجسام. والناس قد يستفيدون من تجاربهم لأسباب كثيرة: قد يكون المرض خفيفًا، أو تحسن تلقائيًا، أو اجتمع مع العلاج سبب آخر؛ ولذلك كان العلماء يفرقون بين التجربة الفردية والدليل الذي يثبت نفع الشيء لعامة الناس.
ومن أخطر ما يفعله الإنسان أن يجعل صحته ميدانا لكل تجربة، وأن يعرض نفسه للخطر من أجل كلام لم تثبت صحته. والصحة ليست ملكا للفرد وحده؛ بل هي أمانة يتعلق بها حق الأهل والمجتمع. والإسلام لم يجعل نظاما غذائيا واحدا واجبا على جميع خلقه؛ وإنما جعل القاعدة العامة: الحلال الطيب مع مراعاة حال الإنسان. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فلم يقل: امنعوا كل شيء، ولم يقل: كلوا كل شيء بلا ضابط، بل أمر بالتوازن.
وشكر النعم ليس بتحريمها؛ بل بحسن استعمالها والاعتدال فيها. ولا يجوز أن نضيق على عباد الله فيما وسعه الله، ولا أن نحرم ما أحل الله؛ فإن ذلك من الافتراء عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.

في خضم هذه الفوضى، يحتاج المسلم إلى ميزان دقيق يزن به الأقوال ويميز بين الحق والباطل. وهذا الميزان يقوم على أربعة أصول عظيمة: الوحي الصحيح (كتاب الله وسنة رسوله)، الذي لا يقدّم عليه شيء؛ والعقل السليم، الذي خلقه الله أداة للفهم لا للإلغاء؛ والعلم الموثوق، الذي يقوم على المنهجية السليمة لا على الانطباعات الفردية؛ والخبرة المتخصصة، التي تأتي بعد سنوات من التطبيق العملي، لا بمجرد الحضور الإعلامي القوي.
وقد ربانا صلى الله عليه وسلم على استقلال الشخصية وعدم الانقياد الأعمى، فقال: «لَا يَكُونَنَّ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً، يَقُولُ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْتُ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْتُ؛ وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ؛ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا». وهذه الوصية تضع حجر الأساس لشخصية المؤمن المستقل، الذي لا يقلد في الحق ولا في الباطل؛ بل يزن الأمور بميزان العدل والإنصاف.
فالمؤمن الحق لا يسأل أولاً: من القائل؟ بل يسأل: ما الدليل؟ ولا يسأل: كم عدد المتابعين؟ بل يسأل: هل هذا الكلام ثابت؟ فالحكمة ضالة المؤمن؛ يقبل الحق ممن جاء به، لكنه لا يقبل الباطل من أحد، مهما علت منزلته أو كثر أتباعه.

إذا كنا نعيش اليوم في زمن أصبحت فيه المعلومة أسهل من التحقق منها، والأقوال أكثر من الأدلة؛ فإن الحاجة إلى وعي جديد أصبحت أكثر إلحاحًا. وعي يجمع بين الدين والعلم، ولا يفرق بينهما؛ بل يرى فيهما وجهين لعملة واحدة؛ فالدين الصحيح لا يعارض العلم الصحيح، والعلم الصحيح لا يناقض الدين الثابت. ومن ظن بينهما تعارضا؛ فقد أخطأ في فهم أحدهما أو كليهما.
في النهاية يبقى السؤال الأهم: من يملك حق تقرير ما نأكل وما نشرب؟ هل هو الطبيب الذي درس سنوات، أم المؤثر الذي جمع متابعين، أم التجربة الفردية، أم الأهواء المتقلبة؟

الجواب الذي يمنحه الإسلام للمؤمن، وتؤكده حقيقة العقل والعلم، هو أن الميزان واحد لا يتعدد، والمعيار ثابت لا يتغير. طيبات الله لا أهواء البشر؛ فما أحله الله فهو حلال طيب، وما حرمه فهو خبيث محرم. وما سكت عنه فهو عفو مباح؛ لا يملك أحد أن يضيق على عباد الله ما وسعه الله، ولا أن يحرم ما أحل الله، ولا أن يلزم الناس بما لم يلزمهم به ربهم.
وعندها فقط تعود الموائد إلى حقيقتها: نعمة من الله تستحق الشكر؛ لا ميدانًا للحروب الفكرية، ولا ساحة للصراعات الأيديولوجية. وعندها فقط يجد الإنسان طريقه بين آلاف الأصوات، واضحا كوضوح الضوء في آخر النفق، ثابتا كثبات الجبال في وجه العواصف؛ فهل آن الأوان لنعيد الميزان إلى نصابه، ولنضع الأمور في مواضعها، ولنعطي كل ذي حق حقه؟
بارك الله لنا في أرزاقنا وأطعمتنا، وجعلنا من الشاكرين لنعمه، المستعملين لها فيما يرضيه، المعتدلين في أمورهم، الواقفين عند حدوده.
ودمتم سالمين!

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار