قصة وجع لا يرويها إلا من ذاق مرارة الفقد

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
هناك أوجاع لا تصنعها الحروب، ولا تخلفها الأزمات، بل تولد في اللحظة التي يرحل فيها الأب، ثم تلازم الإنسان في كل تفاصيل حياته.
فمنذ أن انتقل أبي إلى رحمة الله، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته، لم تعد الذكريات مجرد صور عابرة، بل أصبحت جزءًا من يومي، يوقظها كل مكان، وكل موقف، وكل كلمة، وحتى أبسط الأشياء التي لم أكن ألقي لها اهتمامًا من قبل.
لم يعد الحنين مرتبطًا بالمناسبات، بل أصبح حاضرًا مع كل شروق شمس، وكل غروب، وكل لحظة صمت. مكانه الخالي الذي كان يجلس فيه ما زال يحكي قصة غيابه، وصوته لا يزال يتردد في أعماق الذاكرة، ونصائحه التي كانت يومًا عابرة أصبحت اليوم أثمن إرث تركه لي… أدركت أن الأب لا يغيب عن القلوب، وإن غاب عن الدنيا.
إن فقدان الأب ليس حدثًا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء، بل رحلة طويلة من الشوق والحنين، يتعلم فيها الإنسان كيف يخفي دموعه خلف ابتسامته، وكيف يواصل السير وقلبه يحمل فراغًا لا يملؤه أحد.
فالأب هو السند الذي إذا رحل، شعر الأبناء أن جزءًا من قوتهم وأمانهم قد رحل معه.
ورغم قسوة الفقد، يبقى الإيمان بقضاء الله وقدره أعظم عزاء، وتبقى الدعوات الصادقة خير ما يقدمه الأبناء لوالدهم بعد رحيله.
فالوفاء لا ينتهي بالموت، بل يستمر بالدعاء، والصدقة الجارية، وصلة الرحم، وفعل الخير الذي يصل ثوابه إليه بإذن الله.
رحم الله أبي، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، ونور له فيه، ووسع مدخله، وجمعنا به في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
إنها قصة وجع… لا يرويها إلا من ذاق مرارة الفقد، ولا يدرك عمقها إلا من وقف يومًا أمام قبر أبيه، يحمل في قلبه دعاء لا ينقطع، وفي عينيه حنينًا لا يذبل، وفي روحه شوقًا لا يطفئه إلا لقاء بإذن الله في جنات النعيم.



