حين يصبح الصحفي أفقر من الحقيقة

موسى المليكي
الصحافة اليمنية بين راتب لا يكفي وجبة غداء وسوق إعلام يكافئ الإثارة ويعاقب المهنية
ثمة أزمات تبدأ من الاقتصاد، لكنها لا تنتهي عنده.
وثمة أزمات حين تضرب مهنة بحجم الصحافة، فإنها لا تصيب أصحابها وحدهم، بل تصيب المجتمع في عينه التي يرى بها، وأذنه التي يسمع بها، وذاكرته التي تحفظ ما جرى.
لهذا فإن الحديث عن أوضاع الصحفيين في اليمن لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شكوى مهنية عن الرواتب، ولا مطالبة فئوية بزيادة الأجور، ولا حنيناً إلى زمن كانت فيه الصحافة أكثر حضوراً.
إنها قضية أكبر بكثير.
إنها قضية مجتمع مهدد بأن يفقد الصحافة قبل أن يفقد الصحفيين.
ففي بلد أنهكته الحرب والانقسامات السياسية والاقتصادية، لم يعد الصحفي يواجه فقط خطر الاعتقال والتهديد والمنع والملاحقة، وهي مخاطر موثقة ومتواصلة؛ بل أصبح يواجه عدواً آخر أكثر صمتاً: الفقر.
وفي مايو/أيار 2026، جاءت تقارير جديدة لتضع اليمن في المرتبة 164 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة، مع استمرار وصف البيئة الإعلامية بأنها شديدة الخطورة، وتوثيق اعتقالات وتهديدات وقيود على العمل الصحفي.
لكن ماذا يحدث للصحافة عندما لا يعود الخطر في الشارع وحده، بل ينتقل إلى مائدة الصحفي؟
ماذا يحدث حين يصبح الرجل الذي نطالبه بكشف الحقيقة عاجزاً عن شراء احتياجات أسرته؟
ماذا يحدث حين يتخرج شاب من كلية الإعلام، يحمل شهادة ومهارات وطموحاً، ثم يكتشف أن أقصى ما يستطيع السوق أن يمنحه إياه هو راتب لا يكفيه أياماً؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
من صاحب السلطة إلى الباحث عن لقمة العيش
كانت كلمة «صحفي» في اليمن تحمل ذات يوم وزناً اجتماعياً وسياسياً.
لم يكن الصحفي مجرد موظف يجلس خلف مكتب.
كان اسماً يعرفه الناس.
كان صوته قادراً على صناعة نقاش.
كان مقاله يفتح ملفاً.
وكان التحقيق الصحفي يستطيع أن يضع مسؤولاً أمام أسئلة لم يكن يريد سماعها.
كان الصحفي، في المخيال العام، واحداً من أصحاب الرأي والنفوذ المعنوي.
أما اليوم، فقد أصبحت المهنة بالنسبة إلى شريحة واسعة من العاملين فيها معركة يومية للبقاء.
وليس أصعب على الصحفي من أن يستيقظ صباحاً وهو يعرف أنه مطالب بأن يكون عين المجتمع، بينما لا يجد من يكون عيناً على حياته هو.
أن يذهب لتغطية معاناة الناس، ثم يعود إلى منزله حاملاً معاناته الخاصة.
أن يكتب عن الفقر، بينما راتبه لا يحميه منه.
أن يحقق في الفساد، بينما المؤسسة التي يعمل فيها عاجزة عن دفع مستحقاته.
أن يدافع عن حرية التعبير، بينما هو نفسه يبحث عن طريقة آمنة للتعبير عن شكواه من راتبه.
هذه ليست مفارقة عابرة.
إنها مأساة مهنية مكتملة الأركان.
الصحافة التي لا تستطيع دفع ثمن الغداء
تتداول الأوساط الصحفية أرقاماً شديدة القسوة عن أجور العاملين في الإعلام اليمني، من بينها أن نسبة كبيرة من الصحفيين تتقاضى أجوراً دون الحد الأدنى، وأن آخرين يعملون بلا أجر، بينما تدور بعض الرواتب المعروضة حول عشرات الآلاف من الريالات فقط.
هذه الأرقام تحتاج دائماً إلى توثيق حديث ودقيق قبل نشرها كإحصاءات نهائية، لكن الاتجاه العام للأزمة ليس جديداً.
فنقابة الصحفيين اليمنيين نفسها ما زالت تتحدث عن انهيار بيئة العمل الإعلامي، فيما سبق أن طالبت بصرف مستحقات ورواتب متأخرة للعاملين في المؤسسات الإعلامية الحكومية.
والأرقام، مهما اختلفت تفاصيلها، لا تستطيع أن تنقل لنا شيئاً من الإهانة اليومية التي يعيشها الصحفي.
فالمشكلة ليست فقط أن راتبه منخفض.
المشكلة أن الراتب المنخفض أصبح في بعض الحالات أقل من قيمة المهنة نفسها.
أن يُطلب من صحفي أن يمتلك شهادة جامعية، وخبرة، ولغة، وقدرة على كتابة الأخبار والتحقيقات، والتصوير والمونتاج، وإدارة المنصات، ومتابعة الأخبار العاجلة، والعمل تحت الضغط، ثم يعرض عليه مبلغ لا يكفي لتأمين احتياجاته الأساسية؛ فهذه ليست وظيفة منخفضة الأجر فقط.
هذه رسالة تقول له:
نحن لا نرى قيمة لما تفعله.
وحين تتكرر الرسالة سنوات طويلة، لا يعود السؤال لماذا انخفض مستوى الصحافة.
السؤال يصبح: لماذا بقي فيها أحد أصلاً؟
ماذا يفعل الصحفي عندما يصبح راتبه أقل من كرامته؟
هنا تقع الكارثة التي لا تظهر في كشوف الرواتب.
الصحفي الذي لا يستطيع العيش من مهنته يبدأ بالبحث عن بدائل.
بعضهم يهاجر.
بعضهم ينتقل إلى المنظمات.
بعضهم يدخل العلاقات العامة.
بعضهم يتحول إلى صناعة المحتوى التجاري.
بعضهم يترك الإعلام نهائياً.
وبعضهم، وهذا هو الأخطر، يبقى في المهنة لكنه يبدأ بالتنازل شيئاً فشيئاً.
تنازل عن التحقيق لأنه يحتاج إلى إنهاء عشرة أخبار في اليوم.
تنازل عن التحقق لأن السبق أهم.
تنازل عن العمق لأن الجمهور لا يقرأ.
تنازل عن السؤال الصعب لأن الإعلان لا يحب الأسئلة الصعبة.
تنازل عن المهنية لأن الخوارزمية تكافئ الصدمة.
وفي نهاية الطريق، لا يكون الصحفي قد خسر راتبه فقط.
يكون قد خسر جزءاً من سلطته الأخلاقية.
طبقتان داخل المهنة
المشهد الإعلامي اليمني يبدو، في أجزاء منه، كأنه يتشكل من طبقتين.
طبقة قليلة تستطيع الوصول إلى العقود والبرامج والمنصات والامتيازات والفرص، وتملك شبكة علاقات ومصادر دخل متعددة.
وطبقة واسعة من الصحفيين والمحررين والمراسلين والمصورين وخريجي الإعلام تقف في الطرف الآخر: عقود هشة، أجور متواضعة، عمل متقطع، فرص قليلة، ومستقبل غير واضح.
وهذا أخطر من مجرد تفاوت اقتصادي.
لأن المهنة التي تصبح حكراً على القادرين على تحمل الفقر، أو على من يملكون مصادر دخل أخرى، ستفقد شيئاً مهماً من تنوعها واستقلالها.
سيخرج منها ابن الأسرة الفقيرة.
سيخرج منها الصحفي الذي لا يستطيع الانتظار سنوات حتى يحصل على فرصة.
سيخرج منها الموهوب الذي يريد أن يتزوج ويؤسس أسرة.
سيخرج منها من يريد حياة طبيعية لا بطولة مأساوية.
وفي النهاية، قد تبقى الصحافة مفتوحة للجميع نظرياً، لكنها تصبح في الواقع مهنة لا يستطيع البقاء فيها إلا القادرون.
وهنا يتحول الإعلام إلى مساحة اجتماعية ضيقة بعد أن كان يفترض أن يكون مرآة للمجتمع كله.
ثم جاءت الخوارزمية لتكمل المهمة
حين كان للصحيفة مطبعة، كان لديها وقت.
وحين كان للقناة غرفة أخبار كبيرة، كان لديها فريق.
أما في عصر المنصات الرقمية، فقد أصبح الخبر يركض خلف الثانية.
المؤسسة الإعلامية تريد مشاهدات.
والمشاهدات تجلب الإعلان.
والإعلان يحدد قدرة المؤسسة على البقاء.
وهكذا نشأ اقتصاد جديد اسمه اقتصاد الانتباه.
وفي هذا الاقتصاد، لا يكفي أن تكون القصة مهمة.
يجب أن تكون قابلة للبيع.
لا يكفي أن تكون المعلومة صحيحة.
يجب أن تكون مثيرة.
لا يكفي أن يكون التحقيق عميقاً.
يجب أن يكون قابلاً للنقر.
وهنا يبدأ الانقلاب الأخطر في تاريخ المهنة.
يصبح الخبر الجيد أقل قيمة من الخبر المثير.
ويصبح التحقيق الذي يحتاج أسبوعاً أقل ربحاً من عنوان يحتاج عشر دقائق.
وتصبح الكارثة مادة مثالية.
والجريمة مادة مثالية.
والجنس مادة مثالية.
والمخدرات مادة مثالية.
والفضيحة مادة مثالية.
والموت نفسه يمكن أن يتحول إلى محتوى قابل للتسويق.
ليس لأن الصحفيين جميعاً سيئون.
بل لأن النظام الاقتصادي الجديد للمحتوى يكافئ الأسوأ أحياناً.
وهذه نقطة يجب قولها بوضوح.
الصحافة لا تموت عندما تكذب فقط
الصحافة لا تموت فقط عندما تنشر خبراً كاذباً.
قد تموت قبل ذلك.
تموت عندما يتوقف الصحفي عن السؤال.
تموت عندما يصبح التحقيق رفاهية.
تموت عندما يصبح التصحيح أقل أهمية من السبق.
تموت عندما يتحول القارئ إلى مجرد رقم في لوحة الإحصاءات.
تموت عندما يصبح عنوان «شاهد ماذا حدث!» أكثر قيمة من تحقيق يكشف لماذا حدث.
تموت عندما يصبح الصحفي موظفاً في مصنع للنقرات.
ثم يأتي يوم يصبح فيه الناس معتادين على هذا النوع من المحتوى إلى درجة أنهم لا يعودون يطلبون الصحافة أصلاً.
يطلبون الإثارة.
يطلبون الغضب.
يطلبون الفضائح.
يطلبون الصدمة.
وهكذا لا يعود الإعلام يقود ذائقة الجمهور.
بل يصبح أسيراً لأسوأ ما في ذائقة الجمهور.
من يربح من صحافة الفقر؟
السؤال الذي ينبغي أن يزعج الجميع هو:
من المستفيد من صحفي فقير؟
لأن الصحفي المستقر يستطيع أن يقول «لا».
أما الصحفي الذي يخشى فقدان مصدر دخله، فقد يصبح أكثر قابلية للضغط.
والمؤسسة المستقرة تستطيع أن تقول «لا» للممول الذي يريد شراء الخط التحريري.
أما المؤسسة التي تعيش يوماً بيوم، فقد تضطر إلى قبول شروط لم تكن لتقبلها في ظروف أفضل.
ولهذا فإن استقلال الصحافة ليس قضية قانونية فقط.
إنه قضية اقتصادية أيضاً.
لا يمكن فصل حرية الصحافة عن قدرة الصحفي على العيش.
ولا يمكن فصل الاستقلال التحريري عن استقلال المؤسسة مالياً.
ولا يمكن مطالبة الإعلام بمراقبة أصحاب النفوذ إذا كان هو نفسه لا يستطيع دفع أجور العاملين فيه.
الصحفي الذي يجوع لا يصبح بالضرورة فاسداً، لكنه يصبح أكثر هشاشة.
وهذه الهشاشة هي التي يجب أن يخشاها المجتمع.
الخطر الأكبر: خروج أفضل الصحفيين
المهنة لا تنهار عندما يتركها أسوأ العاملين.
تنهار عندما يغادرها أفضلهم.
الصحفي الذي يعرف كيف يحقق.
المحرر الذي يعرف كيف يدقق.
المصور الذي يعرف كيف يحكي القصة بالصورة.
المراسل الذي يعرف كيف يبني مصادره.
الكاتب الذي يعرف كيف يضع قضية محلية في سياقها الوطني.
هؤلاء هم رأس مال الصحافة الحقيقي.
وإذا كان السوق لا يستطيع الاحتفاظ بهم، فسوف يذهبون إلى حيث توجد رواتب أفضل وبيئة أكثر استقراراً.
وقد بدأ هذا النزيف بالفعل بأشكال مختلفة.
وتصبح المؤسسات الإعلامية أمام مفارقة قاتلة:
تحتاج إلى صحفيين محترفين كي تنتج محتوى جيداً.
لكنها لا تستطيع دفع تكلفة الصحفيين المحترفين.
فتخفض التكاليف.
فتخسر الكفاءات.
فتتراجع الجودة.
فتنخفض قيمة المنتج.
فتنخفض الإيرادات.
فتخفض المؤسسة التكاليف مرة أخرى.
وهكذا ندخل في حلقة موت إعلامية.
وهل الحل أن نغلق كليات الإعلام؟
لا.
هذا سيكون هروباً من المشكلة لا حلاً لها.
المشكلة ليست أن اليمن ينتج صحفيين أكثر مما يحتاج.
المشكلة أن اليمن لا يمتلك سوقاً إعلامية صحية تستطيع استثمار هؤلاء الصحفيين.
كلية الإعلام ليست مصنعاً للبطالة.
كما أن كلية الطب ليست مسؤولة عن انهيار المستشفيات.
المطلوب هو إصلاح العلاقة بين التعليم والسوق.
أن يتعلم الطالب صحافة البيانات.
أن يتعلم التحقق الرقمي.
أن يتعلم التحقيق الاستقصائي.
أن يتعلم إنتاج الفيديو.
أن يفهم اقتصاد المنصات.
أن يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن يسلم لها مهنته.
أن يتعلم كيف يبني مشروعاً إعلامياً مستقلاً.
وأن يعرف قبل التخرج أن الصحافة الحديثة ليست مجرد كتابة خبر.
لكن الجامعات وحدها لا تستطيع إنقاذ المهنة.
فلا يمكن تخريج صحفي جيد ثم تركه أمام مؤسسة لا تستطيع دفع راتبه.
الصحفيات يدفعن ثمناً مضاعفاً
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الصحافة اليمنية من دون التوقف عند وضع الصحفيات.
فالبيئة الإعلامية الصعبة تضيف إلى الصحفية اليمنية طبقة أخرى من المخاطر: التحرش، والتشهير، وحملات التحريض، والابتزاز، والقيود على الحركة والعمل.
وقد حذرت منظمات حقوقية في 2026 من استهداف الصحفيات اليمنيات بحملات تهديد وتشويه وابتزاز وقيود على السفر والعمل، بما دفع بعضهن إلى التوقف عن العمل أو الاختفاء خلف هويات مستعارة.
وهذا يعني أن خسارة الصحافة ليست خسارة وظيفة فقط.
إنها خسارة أصوات.
وخسارة تجارب.
وخسارة نصف المجتمع من مساحة يفترض أن يكون له فيها حضور متكافئ.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج
اليمن مليء بالأصوات.
كل هاتف أصبح كاميرا.
كل حساب أصبح منبراً.
كل شخص يستطيع أن ينشر خبراً.
لكن ما ينقصنا ليس المزيد من الأصوات.
ما ينقصنا هو المعلومة الموثوقة.
نحتاج إلى من يذهب إلى المكان.
يسأل.
يتحقق.
يقارن.
ينتظر.
ثم يكتب.
نحتاج إلى صحافة تقول للمواطن ليس فقط «ماذا حدث»، وإنما «لماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ ومن المستفيد؟ ومن دفع الثمن؟».
نحتاج إلى صحافة لا تخاف من الملفات الثقيلة.
ولا تحول الفقر إلى مادة للسخرية.
ولا تحول الضحية إلى عنوان.
ولا تحول الجريمة إلى ترفيه.
ولا تحول المجتمع إلى جمهور دائم للصدمة.
السلطة الرابعة لا تحتاج إلى خطاب تأبين
الصحافة اليمنية لا تحتاج إلى من يرثيها.
تحتاج إلى من ينقذها.
تحتاج إلى مؤسسات إعلامية تعيد النظر في أجور العاملين.
وتحتاج إلى عقود عمل واضحة.
وتحتاج إلى نقابة قادرة على حماية الحقوق المهنية.
وتحتاج إلى تشريعات تحمي الصحفيين.
وتحتاج إلى بيئة تمنع الإفلات من العقاب على الجرائم ضدهم.
فالتقارير الحقوقية في 2026 لا تزال تشير إلى الإفلات من العقاب بوصفه مشكلة بارزة في الجرائم والانتهاكات التي تطال الصحفيين في اليمن.
وتحتاج أيضاً إلى نموذج اقتصادي جديد.
فالمؤسسة التي تعتمد على الإعلان وحده ستظل مهددة.
والمؤسسة التي تعتمد على التمويل السياسي ستظل معرضة لفقدان استقلالها.
والمؤسسة التي تعتمد على المشاهدات وحدها ستظل أسيرة للترند.
نحن بحاجة إلى صحافة يفهم أصحابها أن الاستثمار في الصحفي ليس خسارة.
الصحفي هو المنتج الحقيقي.
الكاميرا يمكن شراؤها.
والحاسوب يمكن استبداله.
والموقع يمكن تصميمه.
لكن الصحفي الذي يعرف كيف يكشف قصة لا يمكن تحميله من الإنترنت.
لا تطلبوا من الصحفي أن يكون بطلاً طوال الوقت
هذه ربما أهم رسالة.
لا نريد صحفياً يموت من أجل مهنته.
نريد صحفياً يستطيع أن يعيش منها.
لا نريد منه أن يكون بطلاً في مواجهة الفقر.
نريد أن يكون مهنياً في بيئة تحترم عمله.
لا نريده أن يعود إلى منزله سعيداً لأنه كشف قضية، بينما أطفاله ينتظرون ثمن الخبز.
ولا نريده أن يختار بين ضميره ومصاريف أسرته.
نريد أن يصبح الالتزام المهني هو الخيار الطبيعي، لا البطولة المستحيلة.
فليس من العدل أن نطلب من الصحفي أن يحمي المجتمع ثم نترك المجتمع عاجزاً عن حمايته.
السؤال الذي لا يجوز تأجيله
ربما حان الوقت لأن نتوقف عن السؤال التقليدي:
هل الصحافة اليمنية بخير؟
فالجواب معروف.
السؤال الحقيقي هو:
هل نريد أن تبقى لدينا صحافة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن ندفع ثمن ذلك.
ثمن الصحافة ليس فقط راتباً.
ثمنها مؤسسة مستقلة.
وقانون يحميها.
وقضاء يحاسب المعتدي على الصحفي.
ونقابة تدافع عن أعضائها.
وجامعات تخرج صحفيين قادرين على المنافسة.
وجمهور مستعد لدعم المحتوى الجاد.
ومعلن يفهم أن الاستثمار في الإعلام ليس مجرد شراء مساحة إعلانية.
ومؤسسة إعلامية تعرف أن تقليل راتب الصحفي قد يوفر عليها مالاً اليوم، لكنه قد يكلفها سمعتها غداً.
من «السلطة الرابعة» إلى «وجبة غداء»
قبل سنوات، كان السؤال: ماذا يستطيع الصحفي أن يفعل؟
اليوم، أصبح السؤال الأكثر إيلاماً:
ماذا يستطيع الصحفي أن يأكل؟
وهذه ليست جملة ساخرة.
إنها اختصار لأزمة كاملة.
حين يصبح راتب الصحفي أقل من قدرته على تأمين وجبة غداء، لا يعود الفقر شأناً شخصياً.
إنه يصبح تهديداً للمهنة.
وحين تتحول المهنة إلى وظيفة لا يستطيع صاحبها أن يعيش منها، يبدأ أفضل العاملين في مغادرتها.
وحين يغادر الأفضل، ترتفع مساحة المحتوى الرخيص.
وحين يرتفع المحتوى الرخيص، تصبح الخوارزمية أقوى.
وحين تصبح الخوارزمية أقوى، يصبح الترند أهم من الحقيقة.
وحين يصبح الترند أهم من الحقيقة، يصبح المجتمع أكثر عرضة للتضليل.
وهكذا تبدأ القصة من راتب صغير، وتنتهي بأزمة في وعي بلد بأكمله.
لهذا لا ينبغي أن ننظر إلى الصحفي اليمني باعتباره موظفاً يطالب بزيادة راتب.
إنه أحد حراس الذاكرة العامة.
وإذا جاع حارس الذاكرة، فقد يأتي يوم يصبح فيه الوطن كله ضحية للنسيان.
إن الصحافة لا تحتاج إلى شفقة.
تحتاج إلى اقتصاد يحميها، وقانون يحميها، ومؤسسات تحترمها، ومجتمع يعرف قيمتها.
أما ترك الصحفي وحيداً في مواجهة الفقر والخوف والخوارزمية، ثم مطالبته في الوقت نفسه بأن يكون مستقلاً وشجاعاً ومهنياً، فليس دفاعاً عن الصحافة.
إنه ببساطة إرسالها إلى الموت بالتقسيط.
وإذا كان من حق اليمنيين أن يطالبوا بدولة تحميهم، واقتصاد يطعمهم، ومستقبل يليق بهم، فمن حقهم أيضاً أن يطالبوا بصحافة تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن تخشى ثمنها.
ففي النهاية، لا توجد صحافة حرة بلا صحفي قادر على العيش.
ولا توجد سلطة رابعة إذا كان حارسها يبحث قبل كل شيء عن ثمن وجبة الغداء.



