التعليم الأهلي في تعز.. حين يتحول حقُّ الطالب إلى مزادٍ مفتوح!

موسى المليكي
لم يعد الحديث عن ارتفاع رسوم المدارس الأهلية في مدينة تعز مجرد شكوى عابرة من أولياء الأمور، ولا قضية يمكن اختزالها في عبارة «المدرسة تحدد أسعارها وفق إمكانياتها». ما يحدث اليوم يحتاج إلى وقفة جادة، لأن التعليم ليس سلعة فاخرة تُسعَّر وفق المظهر، ولا مزاداً مفتوحاً يدفع ثمنه ولي الأمر كلما ارتفعت شهية الربح.
في تعز، يجد كثير من أولياء الأمور أنفسهم أمام واقع محيّر: مدارس متقاربة جغرافياً، وأحياناً متشابهة في المبنى والإمكانات وعدد الطلاب ومستوى الخدمات، ومع ذلك تتفاوت رسومها بصورة كبيرة، وكأن كل مدرسة تعمل في سوق منفصل لا تحكمه معايير واضحة ولا سقوف ولا تصنيف رسمي يمكن للأسرة أن تحتكم إليه.
والسؤال هنا ليس: لماذا تختلف الرسوم بين مدرسة وأخرى؟
السؤال الأهم هو: ما المعيار الذي تُبنى عليه هذه الرسوم؟ ومن يراقبها؟ وهل يدفع ولي الأمر مقابل خدمة تعليمية حقيقية، أم مقابل اسم المدرسة ومظهرها وإعلاناتها؟
حين يصبح «اسم المدرسة» أغلى من التعليم نفسه
من حق المدرسة الأهلية أن تحقق أرباحاً، ومن حق المستثمر أن يسترد تكاليفه ويطوّر مؤسسته، لكن ليس من المنطقي أن يتحول غياب الرقابة إلى فرصة مفتوحة لفرض رسوم لا يعرف ولي الأمر على أي أساس حُددت.
فإذا كانت مدرسة ما تفرض رسوماً مرتفعة، فمن الطبيعي أن تسأل الأسرة: ماذا تقدم هذه المدرسة مقابل هذا المبلغ؟
هل لديها كادر تعليمي مؤهل ومستقر؟
هل عدد الطلاب في الفصول يتناسب مع جودة التعليم؟
هل توجد معامل ومختبرات ومكتبة وأنشطة تعليمية حقيقية؟
هل مستوى التحصيل العلمي أفضل بصورة ملموسة؟
هل هناك خدمات نقل أو رعاية أو تقنيات تعليمية متقدمة؟
هل رواتب المعلمين وظروف عملهم تعكس فعلاً جزءاً من تلك الرسوم؟
أم أن جزءاً كبيراً من السعر يذهب إلى الواجهة، والمبنى، والاسم التجاري، والإعلانات، والمظاهر التي لا تنعكس بالضرورة على مستوى الطالب؟
المشكلة ليست في أن تكون هناك مدارس مرتفعة التكلفة، وإنما في أن لا يعرف المجتمع أين تبدأ قيمة التعليم وأين ينتهي تسعير المظهر.
ولي الأمر ليس ماكينة صراف آلي
الأسر في تعز تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، والراتب أو الدخل المحدود لا يسمح لكثير من الآباء والأمهات بالتعامل مع التعليم باعتباره سباقاً للمظاهر.
لكن ولي الأمر يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إن اختار مدرسة منخفضة الرسوم خشي أن يحصل ابنه على تعليم أقل جودة، وإن اختار مدرسة مرتفعة الرسوم اضطر إلى الاستدانة أو التضحية باحتياجات أسرته الأساسية.
وهكذا يتحول التعليم من حق أساسي إلى مصدر ضغط اقتصادي ونفسي على الأسرة.
والأخطر أن بعض الأسر قد تُجبر على اختيار مدرسة معينة لا لأنها الأفضل تعليمياً، وإنما لأنها تخشى نظرة المجتمع أو مقارنة أبنائها بأبناء الآخرين.
وهنا يجب أن نتوقف.
هل نريد تعليماً يرفع مستوى الطالب، أم سوقاً تنافس فيه المدارس على جيوب الأسر؟
من المسؤول عن ضبط هذا السوق؟
وزارة التربية والتعليم والجهات التعليمية المحلية ليست مطالبة بإلغاء التعليم الأهلي، ولا بإغلاق المدارس الخاصة، ولا بمنع الاستثمار في التعليم.
لكنها مطالبة بشيء أبسط وأكثر عدالة: أن تضع قواعد واضحة للجميع.
يجب أن تخضع المدارس الأهلية لتقييم حقيقي ودوري، لا أن يكون الترخيص هو نهاية العلاقة بين المدرسة والجهة المسؤولة.
نحن بحاجة إلى نظام تصنيف معلن، بحيث تُصنف المدارس إلى فئات محددة وفق معايير قابلة للقياس، مثل:
مستوى الكادر التعليمي ومؤهلاته.
متوسط عدد الطلاب في الفصل.
جودة المبنى والمرافق التعليمية.
توفر المختبرات والمكتبات والوسائل التعليمية.
مستوى الأنشطة والخدمات المقدمة للطلاب.
نتائج التقييمات والاختبارات التعليمية.
مستوى الانضباط والإدارة المدرسية.
استقرار المعلمين وظروف عملهم.
الخدمات الإضافية التي تقدمها المدرسة فعلياً.
وبناءً على هذا التصنيف، يمكن تحديد نطاقات مالية أو سقوف للرسوم لكل فئة، بحيث لا تستطيع مدرسة أن تضع رقماً كيفما تشاء ثم تطلب من الأسرة أن تقبله تحت ضغط الحاجة إلى التعليم.
نريد شفافية لا شعارات
من حق ولي الأمر أن يعرف قبل تسجيل ابنه: لماذا هذه المدرسة في الفئة «أ»؟ ولماذا رسومها بهذا المستوى؟ وما الخدمات التي يحصل عليها مقابل المبلغ الذي يدفعه؟
بل يجب أن تكون هناك بطاقة تعريف واضحة لكل مدرسة تتضمن تصنيفها، ورسومها المعتمدة، والخدمات المشمولة، وأي رسوم إضافية.
فالشفافية وحدها يمكن أن تغيّر شكل المنافسة.
عندما يعرف المواطن أن المدرسة «أ» تقدم مستوى معيناً مقابل رسوم محددة، والمدرسة «ب» تقدم مستوى أقل مقابل رسوم أقل، يصبح القرار بيد الأسرة، وتصبح المنافسة قائمة على الجودة مقابل السعر، لا على المظاهر والدعاية.
لا يكفي أن نراقب الرسوم.. راقبوا الجودة أيضاً
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الرقابة إلى مجرد تحديد للأسعار.
إذا فرضت الوزارة سقفاً مالياً دون أن تراقب مستوى التعليم، فلن نكون قد حللنا المشكلة.



