حين يصبح التهميش قضية حقوقية لا تهمة أخلاقية

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
في قراءة حقوقية لواقع المجتمعات التي تعاني من القهر والتهميش، تبدو محاولة تحميل الشعوب وحدها مسؤولية تدهور أوضاعها الأخلاقية والاجتماعية قراءة ناقصة للمشهد؛ فالفقر والإقصاء والحرمان لا تمس مستوى الدخل فقط، وإنما قد تحرم الإنسان من فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة الاجتماعية والعيش بكرامة.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الفقر ظاهرة متعددة الأبعاد ترتبط بالحرمان من الموارد والقدرات والاختيارات والأمان والقوة اللازمة للتمتع بمستوى معيشي لائق وبالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كما تشير إلى أن الفقر قد يكون سببًا ونتيجة لانتهاكات حقوق الإنسان، وأن التهميش والتمييز قد يعززان دائرة الحرمان.
من هنا، فإن العبارة الساخرة التي تقول إن «الإنسان إذا طال به التهميش يصبح كأنه لا يفكر إلا في الأكل والشرب والغريزة» ينبغي ألا تتحول إلى حكم مهين على الشعوب، بل إلى سؤال حقوقي: ماذا فعلت سنوات الحرمان بالإنسان؟
من المسؤول عن الظروف التي دفعته إلى حصر اهتمامه في احتياجاته الأساسية؟
فالإنسان الذي يبحث عن لقمة العيش ليس فاقدًا للكرامة، والجائع لا يصبح أقل إنسانية لأنه يفكر في الطعام، والمهمش لا يفقد حقوقه بسبب الظروف التي فرضت عليه، بل إن الكرامة الإنسانية تقتضي حماية الإنسان من الفقر والإقصاء والتمييز، وعدم وصم الفئات الأكثر هشاشة بسبب أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
والسخرية هنا تكشف المفارقة: قد يطلب من المواطن أن يتحلى بأعلى درجات الأخلاق، بينما يترك بلا تعليم كافٍ، ولا عمل مستقر، ولا خدمات أساسية، ثم يُقال له بعد ذلك: «لماذا تغيرت أخلاقك؟»
حقوقيًا، لا يمكن اختزال المشكلة في سلوك الفرد وحده؛ فمعالجة آثار التهميش تبدأ بمعالجة أسبابه، وتعزيز المساواة وعدم التمييز، وضمان الوصول إلى التعليم والعمل والصحة والغذاء والسكن والحماية الاجتماعية، مع إشراك الفئات المهمشة في القرارات التي تؤثر في حياتها.
تؤكد الأمم المتحدة أن مكافحة الفقر من منظور حقوقي تقوم على احترام كرامة الأشخاص وتمكينهم من المشاركة والمطالبة بحقوقهم ومساءلة الجهات المسؤولة.
الخلاصة الحقوقية:
لا تحاكموا الإنسان لأنه انشغل بالبقاء، قبل أن تسألوا لماذا أصبح البقاء معركة يومية.
فالمجتمع الذي يريد أخلاقًا أفضل، عليه أولًا أن يوفر كرامة أفضل، وعدالةً أفضل، وفرصًا أفضل.
أما تحميل الضحية كامل المسؤولية عن آثار القهر، فهو أشبه بمن يشعل النار في البيت ثم يعقد مؤتمرًا صحفيًا ليسأل السكان: لماذا لم تحافظوا على برودة أعصابكم؟



