وراء كل شهيد حكاية.. ووراء كل جريح ألم.. ووراء كل أسير عائلة تنتظر

تقرير صحفي – عدن الأمل / خاص
في الحروب، لا تقاس الخسائر بالأرقام وحدها، ولا تنتهي المأساة لحظة توقف القصف أو انحسار المواجهات. خلف كل اسم في قائمة الضحايا قصة إنسان، وخلف كل جريح رحلة طويلة مع الألم والعلاج، وخلف كل أسير عائلة تعيش على الانتظار، تبحث عن خبر يطمئنها أو معلومة تكشف مصير من تحب.
وفي سياق الأحداث العسكرية التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة بشهر يناير 2026م، وما رافقها من روايات بشأن قصف الطيران السعودي الذي استهدف مواقع تابعة للقوات المسلحة الجنوبية، وما ترتب عليه من خسائر وتباين في الروايات حول المسؤوليات… يبرز الملف الإنساني بوصفه الجانب الأكثر إلحاحًا، والأبعد عن الحسابات السياسية والعسكرية.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن رواية طرف أو إدانة طرف آخر قبل اكتمال الأدلة، وإنما بالسؤال الأكثر إنسانية: ماذا حدث للذين دفعوا الثمن؟
ومن يتولى توثيق الشهداء والجرحى والأسرى؟
خلف كل ضحية .. عائلة فقدت جزءًا من حياتها:
الشهادة في ساحات القتال لا تعني بالنسبة إلى الأسرة مجرد اسم يضاف إلى قائمة الضحايا.
إنها غياب أب، أو ابن، أو أخ، أو زوج؛ شخص كان له مكانه في البيت، ومسؤولياته، وذكرياته، وأحلامه.
ولهذا فإن توثيق أسماء الضحايا لا ينبغي أن يكون إجراء إداريًا فحسب، بل خطوة أولى لحفظ الذاكرة وحقوق الأسر.
الجريح.. معركة أخرى تبدأ بعد انتهاء المعركة:
قد تنتهي المعركة بالنسبة إلى المقاتل، لكنها قد تبدأ بالنسبة إلى الجريح معركة أخرى أكثر قسوة: العمليات الجراحية، والعلاج، وإعادة التأهيل، والأدوية، وفقدان القدرة على العمل، وأحيانًا الإعاقة الدائمة.
ومن هنا فإن الجريح لا ينبغي أن يختزل في رقم ضمن حصيلة عسكرية.
وقد تطور القانون الدولي الإنساني تاريخيًا تحديدًا من رحم مأساة الجرحى في ميادين القتال.
فقد ارتبطت نشأة اتفاقيات جنيف الحديثة بتجربة هنري دونان عقب معركة سولفرينو عام 1859م، عندما شاهد آلاف الجرحى بلا رعاية كافية، الأمر الذي أسهم في الدفع نحو إنشاء قواعد دولية لحماية الجرحى والمصابين.
واليوم، تؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني أن الجرحى والمرضى يجب احترامهم وحمايتهم، وأن يحصلوا على الرعاية الطبية التي تتطلبها حالتهم دون تمييز.
كما تفرض القواعد على أطراف النزاع اتخاذ الإجراءات الممكنة للبحث عن الجرحى وجمعهم وتقديم الرعاية لهم.
وهذا المبدأ لا ينبغي أن يبقى حبرًا على ورق؛ بل يجب أن يتحول إلى إجراءات عملية تشمل العلاج، والتأهيل، والأدوية، والرعاية النفسية، والتعويض، وإعادة دمج الجريح في الحياة العامة قدر الإمكان.
الأسير.. إنسان خلف القضبان وعائلة خلف الانتظار:
أما الأسير أو المحتجز، فمأساته مختلفة، هو موجود، لكنه غائب عن أسرته… قد تكون هناك أم تنتظر اتصالًا، أو زوجة تبحث عن معلومة، أو طفل يسأل عن أبيه، بينما لا تعرف الأسرة مكانه أو حالته الصحية.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يوفر حماية للمحتجزين والأسرى، ويضع قواعد بشأن معاملتهم وحقوقهم ولكن.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع قيل إنها توثق عمليات أسر لمقاتلين تابعين للقوات المسلحة الجنوبية بعد الناجين من القصف، إلا أن التحقق المستقل من ظروف تصوير هذه المقاطع وهوية الأشخاص والجهة المسؤولة عن معاملتهم يظل ضروريًا قبل الجزم بما تظهرة.
وفي النزاعات المسلحة، يجب احترام حياة الأشخاص الذين لم يعودوا يشاركون في الأعمال العدائية وسلامتهم وكرامتهم.
التاريخ يقول: الحرب لها قواعد حتى في أشد لحظاتها قسوة
منذ تأسيس قواعد القانون الدولي الإنساني، كانت الفكرة الأساسية واضحة: حتى الحرب لها حدود.
فقد تطورت اتفاقيات جنيف من التجارب الدامية التي كشفت حجم المعاناة التي يمكن أن تلحق بالجرحى والأسرى والمدنيين.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يهدف إلى الحد من آثار الحروب وحماية الأشخاص الذين لم يعودوا يشاركون في القتال، بمن فيهم المرضى والجرحى والمحتجزون والمدنيون.
وفي النزاعات غير الدولية، تنص المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف على وجوب معاملة الأشخاص الذين لا يشاركون، أو لم يعودوا يشاركون، في الأعمال العدائية معاملة إنسانية، بمن في ذلك من أصبحوا خارج القتال بسبب الإصابة أو المرض أو الاحتجاز.
وهنا تبرز أهمية هذا التاريخ: حماية الإنسان في الحرب لم تأتي من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم تجارب ومآس دفعت العالم إلى وضع قواعد تمنع تحويل الحرب إلى مساحة مفتوحة للانتقام، وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع يظهر انتشار قوات عسكرية تابعة للمملكة العربية السعودية وبعض رجال القبائل عقب الغارات، وتضمنت ادعاءات بشأن وقوع عمليات نهب أو إساءة معاملة لبعض الناجين من قصف الطيران الحربي السعودي.
غير أن هذه الادعاءات تحتاج إلى تحقق مستقل من مكان التصوير وتاريخه وهوية الأشخاص الظاهرين فيه، قبل اعتمادها كوقائع ثابتة.
الشماتة بالضحايا.. مأساة فوق المأساة:
في خضم الصراعات السياسية والعسكرية، قد تتحول وفاة شخص إلى مادة للسخرية أو التشفي، وقد يصبح جرح مقاتل مناسبة للخصومة السياسية.
لكن وراء الصورة أو المنشور أو التعليق توجد عائلة حقيقية.
هناك أم قد تكون فقدت ابنها، وأطفال فقدوا أباهم، وزوجة فقدت شريك حياتها، وجريح يحاول أن يتعلم كيف يعيش بإصابته، وأسرة أسير لا تعرف متى يعود.
ولهذا فإن الشماتة بمأساة الضحايا لا تضيف شيئًا إلى الحقيقة، ولا تثبت صحة رواية سياسية، ولا تغير من وقائع الموت والإصابة والأسر.
بل إنها تفتح جرحًا جديدًا لدى أسر لم تختر الحرب ولم تكن طرفًا في الحسابات السياسية التي سبقتها.
بين الروايات المتضاربة.. أين الحقيقة؟
تظل أحداث محافظتا حضرموت والمهرة بحاجة إلى توثيق مستقل ودقيق فيما يتعلق بأسباب القصف، وطبيعة الأهداف، وحجم الخسائر، وأسماء الضحايا، والظروف التي أدت إلى سقوطهم.
ولا يمكن اعتبار الأرقام المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دليلًا نهائيًا ما لم تدعمها سجلات أو شهادات قابلة للتحقق.
ولهذا فإن التحقيق المهني ينبغي أن يعتمد على أكثر من مصدر، مثل:
- سجلات المستشفيات والمراكز الطبية.
- شهادات أسر الضحايا.
- شهادات الناجين والجرحى.
- صور ومقاطع موثقة زمنيًا ومكانيًا.
- سجلات الوحدات العسكرية، حيثما أمكن الوصول إليها.
- بيانات الجهات الرسمية.
- تقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية.
- صور الأقمار الصناعية أو الأدلة المفتوحة عند توفرها.
- مقارنة الروايات المختلفة بدل اعتماد رواية واحدة باعتبارها حقيقة نهائية.
وهذه المنهجية مهمة خصوصًا عندما تكون المسؤوليات محل خلاف، لأن التقرير الصحفي المسؤول لا يستبدل التحقيق بإطلاق الاتهامات.
العدالة تبدأ من الاسم.. لا من الرقم:
أول خطوة في إنصاف الضحايا هي معرفة من هم.
فالقول إن هناك الضحايا وجرحى وأسرى يظل عامًا، بينما يصبح الملف أكثر إنسانية ودقة عندما يوثق اسم كل ضحية، وعمره، ومكان وقوع الحادث، وظروف الإصابة أو الوفاة، ومصير الجثمان، ومكان علاج الجريح، ومكان احتجاز الأسير إن كان معلومًا.
ومن هنا يمكن بناء سجل إنساني يحفظ حقوق الضحايا وعائلاتهم، بعيدًا عن التسييس والتوظيف الإعلامي.
كما ينبغي أن تتاح للعائلات معلومات موثوقة عن مصير أبنائها، لأن الغموض في مثل هذه القضايا قد يكون أحيانًا أشد قسوة من الحقيقة نفسها.
لا ينبغي أن يتحول الضحايا إلى أرقام في صراع الروايات:
- الضحية ليس رقمًا.
- الجريح ليس صورة في منشور.
- الأسير ليس ورقة تفاوض.
خلف كل واحد منهم عائلة وحكاية وذاكرة. - من الخطأ أن تختفي هذه الحكايات بمجرد انتهاء التغطية الإعلامية أو تغير المشهد السياسي.
- ملفات الضحايا تحتاج إلى متابعة مستمرة، وتوثيق، ورعاية، ومساءلة، لا إلى موجة تعاطف مؤقتة.
الخلاصة: الحقيقة أولًا.. والإنسان قبل الخصومة:
أحداث محافظتا حضرموت والمهرة، يمكن قراءتها من زاوية حقوقيةش واحدة أنه غدر الحليف.
فخلف خطوط النار توجد حياة بشرية كاملة.
وراء كل ضحية حكاية عائلة انكسر جزء من حياتها.
ووراء كل جريح ألم قد يستمر سنوات.
ووراء كل أسير عائلة تنتظر بابًا يفتح وخبرًا يطمئنها.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست في أن ينتصر طرف في روايته الإعلامية، وإنما في أن تنتصر الحقيقة على التضليل، والإنسانية على الشماتة، والتوثيق على الشائعات، والعدالة على الإفلات من المسؤولية.٠
إن احترام الضحايا لا يعني الاتفاق مع مواقفهم السياسية أو العسكرية، كما أن رفض الشماتة بهم لا يعني تبني رواية أي طرف.
إنه يعني ببساطة الاعتراف بحقيقة إنسانية لا تحتاج إلى لون سياسي:
– الدم له حرمة، والجريح له حقوق، والأسير له كرامة، والعائلة لها الحق في معرفة مصير ابنها.
ومن هنا، فإن أي حديث جاد عن أحداث محافظتي حضرموت والمهرة يجب أن يبدأ من سؤال واحد: من هم الضحايا؟
ماذا حدث لهم؟
ومن المسؤول؟
أما الإجابة، فلا ينبغي أن تكتب بالحقد أو الشماتة، وإنما بالأدلة والتحقيق المستقل والتوثيق الذي يحفظ للتاريخ حقه، وللضحايا كرامتهم، ولعائلاتهم حقها في الحقيقة والإنصاف.
إعداد:
الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس تحرير صحيفتي عدن الأمل، وعرب تايم، ومحرر في عدة مواقع أخبارية.



