فخ الضالع.. هل تدفع القوات المسلحة الجنوبية إلى حرب استنزاف بلا أفق؟

تقرير صحفي – عدن الأمل/ خاص :
في عالم الحروب، هناك قاعدة بسيطة: إذا كان الهدف بعيدًا، فلا يكفي أن تطلق النار في اتجاه مختلف ثم تقول إنك تتقدم نحوه.
لكن يبدو أن بعض صانعي القرار قرروا تحديث قواعد الجغرافيا العسكرية، فأصبحت المعادلة: الهدف صنعاء، والجبهة الضالع، والجنود في الميدان، أما البوصلة فربما ما زالت تبحث عن صاحبها!
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يحتاج إلى خبير عسكري ولا إلى غرفة عمليات ضخمة:
هل جبهة الضالع طريق إلى هدف استراتيجي واضح، أم أنها قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة يدفع ثمنها الجنوب؟
عندما تصبح الخريطة «وجهة نظر» :
في الحسابات العسكرية، اختيار الجبهة ليس مسألة مزاج سياسي، هناك تضاريس، خطوط إمداد، غطاء جوي، قوات، ذخائر، أهداف، ومرحلة تالية.
أما إذا قيل للمقاتل: «اذهب إلى الجبهة»، ثم قيل له لاحقًا: «أما الهدف النهائي فسنخبرك به عندما تسمح الظروف»، فهذه ليست خطة مكتملة بقدر ما هي نسخة عسكرية من المثل الشعبي: «امشي ولا تسأل أين الطريق»!
والأكثر إثارة للسخرية أن اسم صنعاء يمكن أن يتحول إلى كلمة سحرية توضع فوق أي معركة:
الضالع؟
– صنعاء!
جبهة أخرى؟
– صنعاء!
استنزاف؟
– أيضًا من أجل صنعاء!
وبهذه الطريقة يصبح المواطن بحاجة إلى بوصلة خاصة لفهم البيانات العسكرية.
التاريخ سبق أن حذر :
التاريخ العسكري مليء بالدروس التي تقول إن القوة وحدها لا تكفي إذا أُديرت في المكان والزمان الخطأ.
خذوا نابليون مثالًا، دخل روسيا بجيش ضخم، لكنه اصطدم بالمسافات الهائلة، وصعوبة الإمداد، والظروف القاسية، وسياسة استنزاف الخصم… انتهت الحملة بكارثة، رغم أن الجيش الذي دخلها كان من أقوى جيوش أوروبا.
الدرس ليس أن الجنود لم يكونوا شجعانًا؛ بل إن الخطة نفسها يمكن أن تصبح عبئًا على شجاعة الجنود.
وفي التاريخ مثل آخر أكثر بساطة:
«العبرة بالخواتيم».
فليس المهم كم بيانًا صدر عن «الصمود»، ولا كم مرة قيل إن «النصر قريب»، بل أين أصبحت القوات بعد أشهر من القتال، وما الذي تغير على الأرض.
جهاز المشي العسكري:
أخطر ما يمكن أن يحدث في أي حرب هو أن تتحول المعركة إلى ما يشبه جهاز المشي:
الجندي يركض، والذخيرة تستهلك، والخسائر تتزايد،
والتصريحات ترتفع، لكن الخريطة تقول بهدوء:
لم تتحركوا كثيرًا !
وهنا يصبح المثل الشعبي مناسبًا تمامًا :
«جعجعة بلا طحين».
صوت المعركة مرتفع، والخطابات أعلى، لكن السؤال الحقيقي يبقى: ما النتيجة الاستراتيجية؟
ومن يدفع الفاتورة؟
هذه النقطة هي الأهم.
صانع القرار يستطيع تغيير الخطة من مكتبه في أي لحظة، أما المقاتل في الميدان فلا يستطيع تغيير مكانه بمجرد أن يكتشف أن الحسابات السياسية تبدلت.
ولهذا فإن أي قرار بفتح جبهة يجب أن يسبقه سؤال واضح:
ما الهدف؟
ثم سؤال ثاني:
ما الكلفة؟
ثم سؤال ثالث أكثر إحراجًا:
ماذا سنفعل إذا تحولت المعركة إلى استنزاف طويل؟
أما إذا كانت الإجابة من نوع «سنواصل حتى النصر»، فهي تصلح شعارًا في ملصق، لكنها لا تكفي خطة عسكرية.
فتحنا جبهة.. إذن نحن نتقدم !
هنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات سخرية.
بعض الخطابات السياسية تتعامل مع فتح الجبهة وكأنه إنجاز بحد ذاته.
لكن فتح الجبهة ليس نصرًا.
والقتال ليس تقدمًا تلقائيًا.
والخسائر ليست دليلًا على نجاح الخطة.
وإطالة الحرب ليست بالضرورة صمودًا.
قد تكون الجبهة مشتعلة جدًا، بينما الهدف الاستراتيجي بعيد جدًا.
وهذا يشبه حكاية الرجل الذي خرج يبحث عن مدينة، فسار طوال اليوم، وعندما سألوه في المساء: «وصلت»؟
قال: لا، لكنني مشيت كثيرًا !
المشكلة أن الحرب ليست مسابقة مشي.
إذا كان الهدف صنعاء.. فأين معيار النجاح؟
السؤال الذي ينبغي أن يواجه إلى صانع القرار ليس سؤالًا سياسيًا فقط، بل عسكري أيضًا :
كم المسافة بين جبهة الضالع والهدف النهائي (محافظة صنعاء)؟
إذا كانت الإجابة واضحة ومقنعة، فليشرحها أصحاب القرار للرأي العام.
أما إذا كانت الإجابة مجرد عبارات من نوع «العمق الاستراتيجي» و«إعادة ترتيب الأوراق» و«استنزاف العدو»، فربما حان الوقت لترجمة هذه المصطلحات إلى أرقام:
– كم جنديًا؟
– كم شهرًا؟
– كم ذخيرة؟
– كم كلفة؟
– وما النتيجة المتوقعة؟
لأن كلمة «استراتيجية» لا تجعل الخطة استراتيجية تلقائيًا.
التاريخ لا يرحم الأخطاء :
- من دروس التاريخ أن القادة لا يحاسبون فقط على المعارك التي ربحوها، بل أيضًا على المعارك التي كان ينبغي ألا يخوضوها أصلًا.
- الحرب ليست مجرد اختبار للشجاعة؛ إنها اختبار للحسابات.
- قد يكون أشجع قرار عسكري أحيانًا هو عدم الدخول في معركة لا تحقق هدفًا واضحًا.
- أما الاستمرار لمجرد أن التراجع سيحرج صاحب القرار، فهذه ليست بطولة؛ إنها محاولة لإخفاء خطأ قديم بخطأ جديد.
وكما يقول المثل:
من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
وفي السياسة العسكرية يمكن تعديل المثل قليلًا:
من فتح جبهة بلا حساب، قد يجد نفسه يبحث عن مخرج منها بعد أن تصبح كلفتها أكبر من فائدتها.
الضالع ليست دفتر حسابات :
الضالع ليست رقمًا في تقرير عمليات.
وراء كل جندي أسرة، ووراء كل مركبة تكلفة، ووراء كل يوم قتال قرار سياسي يجب أن يتحمل مسؤوليته من أصدره.
لذلك فإن التحذير من الاستنزاف لا يعني الخوف من المواجهة، بل يعني ببساطة رفض أن تتحول شجاعة المقاتلين إلى غطاء لخطة غير واضحة.
فالجندي الشجاع يستحق قيادة تعرف لماذا ترسله إلى المعركة، لا قيادة تكتشف بعد انتهاء المعركة لماذا أرسلته.
والمفارقة الكبرى :
إذا كان الهدف تحرير صنعاء، فليكن السؤال واضحًا:
ما الذي يجعل الضالع الخيار الأفضل؟
وإذا كانت هناك اعتبارات عسكرية حقيقية تجعل هذه الجبهة ضرورية، فليتم شرحها بشفافية.
أما أن تكون المعادلة :
الهدف شمالًا ، الجبهة جنوبًا،
الاستنزاف في الميدان،
والخطة في الأدراج.
فهنا يحق للمواطن أن يسأل ساخرًا :
هل نحن أمام خطة لتحرير صنعاء، أم أمام خطة لتحرير صانعي القرار من مسؤولية الإجابة؟
وفي النهاية، قد تكون أخطر جملة في الحرب هي:
لا تقلقوا.. لدينا خطة.
لأن السؤال التالي سيكون دائمًا:
وأين نتائج الخطة؟
فإذا كانت الخريطة لا تتحرك، والهدف لا يقترب، والخسائر تتراكم، فإن تغيير اسم المشكلة لن يغير حقيقتها.
الحرب ليست مسرحية، والجنود ليسوا كومبارس، والخرائط لا تجامل السياسيين.
ومن أراد النصر، فعليه أن يقدم أولًا خطة قابلة للحساب، وهدفًا واضحًا، وكلفة معروفة، ونقطة توقف إذا تحول الطريق إلى استنزاف بلا أفق.
فالتاريخ لا يسأل القائد: هل كنت شجاعًا فقط؟
بل يسأله في النهاية:
- هل عرفت أين تذهب؟
- لماذا ذهبت؟
- وماذا حققت؟
إعداد:
الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس صحيفتي عدن الأمل، وعرب تايم، ومحرر في عدة مواقع أخبارية.



