المفوضية السامية تدشن برنامحاً تدريبياً حول “العدالة الانتقالية الأطر والأليات” في عدن بمشاركة واسعة لجهات حكومية ومجتمعية

عدن / عدن الامل / سماح جميل

دشنت في العاصمة المؤقتة عدن، يوم امس الاثنين الموافق 31 أغسطس، الورشة التدريبية المتخصصة حول العدالة الانتقالية الأطر والأليات، والتي تنظمها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية، وذلك خلال الفترة من 31 أغسطس وحتى 2 سبتمبر2016م

ويشارك في الورشة 30 مشاركاً ومشاركة يمثلون عدداً من الوزارات والجهات الحكومية ذات الصلة، شملت وزارة حقوق الإنسان، وزارة الشؤون القانونية، وزارة الخارجيةوزارة العدل، ومكتب النائب العام، ومجلس القضاء الأعلى، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، إلى جانب ممثلين عن منظمات المجتمع المدني ومحامين وصحفيين من محافظات عدن، أبين، لحج، الضالع، البيضاء، ومأرب.
وفي كلمة الافتتاح، رحب الأستاذ أحمد سليمان، ممثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالحاضرين، مؤكداً أن الورشة تسعى للتعاطي مع أسئلة جوهرية تتصل بـماهية العدالة الانتقالية ولماذا تعد ضرورة. وأوضح سليمان أن العدالة الانتقالية تمثل نهجاً ومحاولة جادة للتعايش والتصالح مع الماضي وفتح صفحة جديدة للمجتمعات التي مرت بظروف الصراع.
وأشار ممثل المفوضية إلى أن تجارب دولية أثبتت نجاح هذا المنهج في التخلص من تركات الماضي الثقيلة كما حدث في جنوب أفريقيا، بينما تسبب غياب معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين في إعاقة تعافي مجتمعات أخرى كـ ليبيا، مشدداً على أن كشف الحقيقة والتعويض وجبر الضرر والمحاسبة هي ركائز أساسية ليتسنى للمجتمع فتح صفحة جديدة والمضي قدماً نحو المستقبل.

من جانبها، أكدت معالي وزيرة الشؤون القانونية، القاضي إشراق المقطري، في كلمتها خلال الورشة، أن الحديث عن العدالة الانتقالية في اليمن لم يعد ترفاً فكرياً أو قانونياً، بل أضحى ضرورة ملحة ولازمة لإرساء سلام مستدام وعملية سياسية شاملة، مؤكدة أنه لا يمكن بناء أي سلام دون إنصاف الملايين من الضحايا والنظر في مظلومياتهم. وأضافت المقطري أن التحديات الراهنة تقتضي عدم الانتظار حتى انتهاء الحروب والعمليات العسكرية لبدء مسار العدالة، بل العمل على بناء عدالة انتقالية مبكرة، تستند إلى تراكم جهود التوثيق والرصد التي قامت بها الآليات الوطنية والمنظمات المدنية، مشيرة إلى أن وزارة الشؤون القانونية تعول على مخرجات هذه الورش واللقاءات لتحديث الأطر والتشريعات القانونية المرتبطة بإنصاف الضحايا وإعادة قراءة مشاريع القوانين السابقة وتكييفها مع المعطيات الحالية.

كما شهدت فعاليات اليوم الأول استعراض الجلسة التدريبية الأولى التي قدمها المدرب الأستاذ إياد دماج، متناولة المفاهيم الأساسية للعدالة الانتقالية، ركائزها الأربع، والتعافي الاجتماعي والإصلاح المؤسسي. واعتمدت الجلسة على منهجية تفاعلية قائمة على التشارك والنقاش المرن لربط المفاهيم النظرية بالسياق المحلي، حيث استهلت بتعريف العدالة الانتقالية باعتبارها عملية علاجية وترميمية تهدف لكشف الماضي وتجاوز ندوب النزاعات والاستبداد لبناء المستقبل. وأشار دماج إلى خطأ اختزال العدالة الانتقالية في ظروف النزاعات المسلحة فقط، مستشهداً بتطبيقاتها في معالجة إرث الفصل العنصري (كما في جنوب أفريقيا)، وفي مواجهة الاستبداد والفساد السياسي (كما في تونس)، والنزاعات المعقدة (في كولومبيا)، والإبادة الجماعية (في رواندا).

وتناولت الجلسة الركائز الأربع الأساسية للعدالة الانتقالية باعتبارها منظومة متكاملة وحلقة متصلة لا تتجزأ؛ تبدأ بـ “الحقيقة” التي تستهدف معرفة تفاصيل ما حدث ولماذا حدث عبر استيعاب التعددية في سرد الحقائق وتفعيل الرصد والتوثيق لمنع الإنكار، متدرجة عبر مستوياتها الجنائية، والسردية، والحوارية، والشافية، لتقود مباشرة إلى “العدالة والمحاسبة” للحد من الإفلات من العقاب عبر آليات تكفل المسؤولية الفردية بعيداً عن ممارسات عدالة المنتصرين، وهو ما يمهد الطريق لجبر الضرر من خلال الاعتراف الصريح بالانتهاكات وتوفير العلاج المادي والمعنوي للضحايا عبر استعادة الأوضاع والتأهيل والتعويض والترضية وصولاً إلى الجبر الجماعي، لتكتمل هذه الحلقة بضمانات عدم التكرار والإصلاح المؤسسي التي تكفل كسر دوامة النزاعات التكرارية عبر إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية وتفكيك الكيانات الموازية، وتأسيس نظام يرتكز على المواطنة وسيادة القانون.

وفي حواره مع المشاركين من الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، شدد دماج على إمكانية وأهمية الشروع في خطوات العدالة الانتقالية حتى في ظل استمرار النزاع ، وذلك من خلال تسريع توثيق الانتهاكات، وتنظيم الضحايا في شبكات لحماية حقوقهم، وتقديم الرعاية العاجلة والخدمات للمتضررين ومصابي الألغام، مع البحث عن المخفيين قسراً. كما دعا إلى إصلاح شامل للقطاع الأمني وإخضاعه للرقابة المدنية، إلى جانب تفعيل العمل السياسي البرامجي، وحماية حرية التعبير، ودعم جبر الضرر المادي والرمزي.

واختتمت الجلسة بوضع معادلة التحول الخماسية لليمن، والتي تتلخص في الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الاستبداد إلى المؤسسات الخاضعة للمساءلة، ومن الحكم التعسفي إلى سيادة القانون، ومن الإقصاء والامتيازات إلى المواطنة والمساواة، ومن اقتصاد الحرب إلى التوزيع العادل للموارد.

وفي الجلسة الثانية، قدم الأستاذ غازي السامعي ورقة عمل مركزة حول “آليات المساءلة والبحث عن الحقيقة”، مستعرضاً مفهوم العدالة الانتقالية والغاية من المساءلة، حيث أوضح أن العدالة الانتقالية توازن بين المساءلة لمنع الإفلات من العقاب وبين معرفة الحقيقة الكاملة لما حدث في فترات الصراع. وأكد السامعي أن العقوبة في فلسفة القانون ليست تشفياً أو انتقاماً، وإنما غرضها الردع، الزجر، الإصلاح، والتأهيل، مشدداً على أن الغرض الأساسي من كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا ومحاسبة الجناة هو ضمان عدم تكرار المآسي والانتهاكات.

وحول فلسفة النظرة للفاعل، أشار السامعي إلى أن المجرم لم يخلق مجرماً، بل تلعب البيئة، الجهل، التعبئة، النفوذ الفاسد، واضطرابات السلوك دوراً في تعزيز ميوله الإجرامية، وهو ما يستدعي التركيز على التأهيل والإصلاح.

واستعرض السامعي الآليات الدولية الأربع للمساءلة والمحاسبة، وهي الملاحقات الجنائية، ولجان تقصي الحقائق، ولجان الحقيقة، والمحاكم الهجينة (المختلطة). كما فرق بين المسؤولية الجنائية الفردية للشخص الطبيعي المباشر، والمسؤولية التبعية (القيادية) التي تمتد لتشمل القادة والمحرضين والمتواطئين.

وعن التحديات والواقع التشريعي في اليمن، ينبه السامعي إلى أن الصراع في اليمن هو تراكم لدورات تاريخية متعددة تستدعي قراءة واستقراء تاريخياً كاملاً. ولفت إلى حجية الاتفاقيات الدولية بموجب المادة (3) من الدستور اليمني، مما يمنحها قوة ملزمة أمام القضاء الوطني رغم قصور الوعي القانوني لدى بعض المحامين والقضاة في الاستناد إليها. كما دعا إلى ضرورة تكييف الجرائم وتحديث القوانين الوطنية الصادرة عام 1994 لمواكبة المتغيرات وجعل العقوبات رادعة.

وفي الجلسة الثالثة والمتخصصة، سلط الأستاذ علي جميل الضوء على مفهوم جبر الضرر وحقوق الضحايا والنهج المتمحور حول الضحية، مؤكداً في مستهل كلمته أن جبر الضرر لا يقتصر على مجرد تقديم التعويضات المالية، بل هو منظومة شاملة وتدابير تهدف إلى الاستجابة للأضرار الناجمة عن الانتهاكات، واستعادة حقوق الضحايا وكرامتهم، والحد من احتمالات تكرارها.واستعرض الأستاذ علي جميل الإطار القانوني الذي يفرض جبر الضرر كحق أصيل للضحايا، مشدداً على معايير فاعليته المتمثلة في الملاءمة والتناسب مع حجم الانتهاك، وإمكانية الوصول دون تعقيدات مستندية تعجيزية، وعدم التمييز، والتنفيذ الفعلي الذي يحترم كرامة الضحية.كما استعرض جميل الأشكال الخمسة الرئيسية لجبر الضرر وفق التوصيفات الأممية كمسار متكامل لإنصاف الضحايا، موضحاً أن هذا المسار يبدأ بـ “رد الحقوق واسترداد الوضع السابق” كإعادة الممتلكات والوظائف والوثائق والعودة الآمنة، وينتقل إلى “التعويض” المالي والمادي عند تعذر رد الحق كلياً أو جزئياً لتقييم الخسائر المادية وغير المادية، ليتبعه “إعادة التأهيل” الذي يشمل تقديم الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التمكين المهني والتعليمي، وصولاً إلى “التراضية وجبر الخاطر” عبر التدابير المعنوية لكشف الحقيقة والاعتذار الرسمي وتخليد ذكرى الضحايا وحفظ الذاكرة الوطنية، وتتوج هذه الأشكال بـ “ضمانات عدم التكرار” من خلال الإصلاح المؤسسي الأمني والقضائي وحل الجماعات المسلحة لضمان عدم عودة الانتهاكات مستقبلاً.

واختتم الأستاذ علي جميل الجلسة بالتشديد على اعتماد النهج المتمحور حول الضحية، باعتبار الضحية شريكاً أساسياً وصاحب حق في تصميم آلية جبر الضرر وليس مجرد متلقي للمساعدات، مبيناً أن التوثيق لأجل جبر الضرر في السياق اليمني يركز بالدرجة الأولى على قياس أثر الانتهاك على حياة الضحية وتطلعاتها لإصلاح الضرر كخطوة أساسية لبناء خطط التعافي والعدالة المستقبلية.
حيث تأتي هذه الورشة كبداية لبرنامج تدريبي واسع تطلقه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لتغطية عدة محافظات، يستهدف رفع وعي وبناء قدرات الفاعلين في المجتمع المدني والقطاعات الحكومية حول مناهج وأدوات العدالة الانتقالية وضمان إدماج حقوق الضحايا في أي تسويات مستقبيلة.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار