تعز في مواجهة حكومة عدن.. «صفر خدمات» ليس شعارًا غاضبًا بل إنذار سياسي

موسى المليكي
لم تعد أزمة الخدمات في مدينة تعز مجرد ملف خدمي يمكن وضعه على طاولة وزارة الكهرباء أو مؤسسة المياه أو الجهات المعنية بالغاز. ما يجري في المدينة يتجاوز انقطاع التيار وشح المياه وأزمة الغاز وتردي النظافة، ليكشف عن أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المواطن بالسلطة، وبقدرة الحكومة المعترف بها دوليًا على إنتاج حضور فعلي للدولة في المناطق الخاضعة لنفوذها.
من هنا تكتسب التصريحات الغاضبة التي أطلقها الممثل محمد الأموي أهميتها السياسية. فعبارات مثل: «صفر خدمات.. صفر حياة.. صفر كرامة» لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد انفعال فنان أمام كاميرا، وإنما بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن حالة اجتماعية أوسع، خصوصًا عندما تأتي من مدينة أنهكتها الحرب، وتحملت كلفة اقتصادية وإنسانية وأمنية هائلة، ثم وجدت نفسها أمام أزمات معيشية متراكمة لم تجد طريقها إلى الحل.
المسألة إذن ليست: ماذا قال الأموي؟
السؤال السياسي الأهم هو: لماذا أصبح هذا النوع من الخطاب قادرًا على ملامسة غضب الشارع؟
من أزمة خدمات إلى أزمة شرعية
في الدول المستقرة، قد يؤدي انقطاع الكهرباء أو نقص المياه إلى احتجاجات مؤقتة، لكن مؤسسات الدولة تبقى قادرة على استعادة ثقة المجتمع من خلال المعالجة السريعة والمحاسبة والشفافية.
أما في الحالة اليمنية، فقد أصبحت الخدمات واحدة من أهم ساحات الصراع على الشرعية.
فالسلطة لا تُقاس فقط بمن يسيطر على الأرض أو بمن يمتلك الاعتراف الخارجي، وإنما أيضًا بمن يستطيع توفير الحد الأدنى من الحياة للسكان.
وهنا تواجه حكومة عدن معادلة صعبة:
كلما تراجعت قدرتها على توفير الخدمات، تراجعت قدرتها على إقناع المواطن بأن مؤسساتها تمثل دولة قادرة على إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذها.
وهذا هو البعد السياسي الأخطر.
فالمواطن قد يتحمل ظروف الحرب لفترة، وقد يتفهم نقص الموارد، وقد يقبل بتأجيل بعض المشاريع، لكنه يصعب أن يتقبل إلى ما لا نهاية أن يدفع الضرائب والرسوم، ثم لا يجد في المقابل ماءً أو كهرباء أو غازًا أو خدمات بلدية مناسبة.
عند هذه النقطة تتحول الأزمة من أزمة أداء إلى أزمة ثقة.
تعز.. المدينة التي دفعت الثمن ثم انتظرت الدولة
تعز حالة خاصة في اليمن.
فالمدينة لم تكن فقط مسرحًا للمعارك، بل أصبحت رمزًا لمعاناة مدنية ممتدة، وأحد أكثر المجتمعات المحلية تعرضًا لتداعيات الحرب.
ومع استمرار الأزمة، نشأ تناقض صارخ بين حجم التضحيات التي قدمها سكان المدينة وبين مستوى الخدمات التي يحصلون عليها.
وهذا التناقض يحمل تداعيات سياسية.
فالمدينة التي تشعر بأنها دفعت ثمنًا باهظًا من أجل المعركة الوطنية، ثم لا ترى تحسنًا ملموسًا في ظروف حياتها، قد تبدأ في طرح سؤال مختلف:
ماذا حصلنا في المقابل؟
وهذا السؤال أخطر من سؤال الكهرباء والماء نفسه.
لأنه سؤال يتعلق بالعلاقة بين المجتمع والدولة، وبجدوى استمرار الثقة بالمؤسسات القائمة.
الكهرباء ليست مجرد مصباح
أزمة الكهرباء في تعز مثال واضح على كيفية تحول الخدمة العامة إلى قضية سياسية.
عندما تغيب الكهرباء الحكومية، لا يختفي الاحتياج إليها.
بل يظهر بديل تجاري يتحمل المواطن كلفته.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام منظومة مزدوجة: رسوم والتزامات للدولة من جهة، وتكاليف إضافية للحصول على الخدمة من جهة أخرى.
المشكلة هنا ليست اقتصادية فقط.
إنها مشكلة عدالة.
فمن يستطيع دفع تكلفة الطاقة البديلة يستطيع تخفيف آثار الأزمة، بينما تتحول الكهرباء بالنسبة للفئات الفقيرة إلى رفاهية يصعب تحملها.
ومع استمرار الوضع، تتسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، وتصبح الأزمة الخدمية عاملًا جديدًا لإنتاج الغضب وعدم المساواة.
وهذا ما يجعل الكهرباء ملفًا سياسيًا بامتياز.
المياه.. حين يصبح الحق الأساسي أزمة دائمة
الأمر أكثر حساسية بالنسبة للمياه.
فالكهرباء يمكن تعويضها مؤقتًا بمولد أو بطارية أو منظومة شمسية، لكن الماء لا يمكن استبداله.
وحين تستمر أزمة المياه لسنوات، فإنها تعني أن المشكلة تجاوزت حدود العطل الفني إلى مستوى التخطيط والإدارة والبنية التحتية والتمويل.
وفي تعز، يصبح ملف المياه جزءًا من سؤال الدولة نفسها:
أين هي الدولة عندما يعجز المواطن عن الحصول على حق أساسي من حقوق الحياة؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالحديث عن الحرب فقط.
الحرب تفسر جزءًا من الأزمة، لكنها لا تفسر وحدها استمرارها إلى ما لا نهاية.
وهنا تبدأ مسؤولية السلطات المحلية والحكومة المركزية والجهات الداعمة والمانحين، كل بحسب موقعه وصلاحياته.
أزمة الغاز تكشف الاقتصاد السياسي للخدمة
أما الغاز المنزلي، فهو يكشف جانبًا آخر من الأزمة: العلاقة بين الإيرادات والتوزيع والرقابة.
عندما تظهر الطوابير، أو ترتفع الأسعار، أو تنتشر السوق السوداء، يصبح السؤال الشعبي مباشرًا:
إذا كانت الدولة تحصل على إيرادات مرتبطة بهذه الأنشطة، فلماذا لا تصل الخدمة بصورة عادلة ومنتظمة؟
وهنا تظهر مشكلة مزمنة في اليمن: تعدد مراكز النفوذ والإيرادات، وضعف الرقابة، وتداخل السلطات الرسمية والمحلية، فضلًا عن آثار الحرب على سلاسل الإمداد والتوزيع.
ولذلك فإن معالجة أزمة الغاز لا تتطلب فقط زيادة الكميات، وإنما تحتاج أيضًا إلى معالجة سياسية وإدارية لمسار السلعة منذ وصولها إلى المحافظة وحتى وصولها إلى المواطن.
«أين تذهب الإيرادات؟».. السؤال الذي لا يمكن تجاهله
ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في الخطاب الشعبي هي قضية الإيرادات.
فكلما ارتفعت الرسوم والضرائب والتحصيلات دون أن يرى المواطن انعكاسًا واضحًا لها في الخدمات، يصبح الحديث عن الشفافية أمرًا حتميًا.
الدولة الحديثة تقوم على معادلة بسيطة:
المواطن يدفع، والدولة تخدم وتحمي وتحاسب.
أما عندما تنفصل الجباية عن الخدمة، فإن العلاقة تتحول تدريجيًا من علاقة مواطنة إلى علاقة تحصيل.
وهنا تتولد أزمة ثقة يصعب علاجها.
لذلك فإن حكومة عدن، إذا أرادت احتواء الغضب في تعز وغيرها، لا تحتاج فقط إلى الإعلان عن مشاريع جديدة، وإنما إلى تقديم إجابات واضحة عن الإيرادات، وأوجه إنفاقها، وحجم الموارد التي تصل إلى المحافظات، وحجم الإنفاق على الخدمات الأساسية.
الشفافية هنا ليست ترفًا إعلاميًا، بل أداة سياسية لاستعادة الثقة.
الحكومة أمام اختبار يتجاوز تعز
قد يبدو أن الغضب في تعز موجه ضد الحكومة بسبب الخدمات، لكن الدلالة أوسع من ذلك.
فالمشكلة نفسها تظهر بدرجات متفاوتة في مناطق أخرى خاضعة للحكومة، وفي مقدمتها عدن، حيث شكلت الكهرباء والخدمات خلال السنوات الماضية مصدرًا متكررًا للاحتجاج الشعبي.
وهذا يعني أن المشكلة ليست مرتبطة بمدينة واحدة أو مسؤول واحد.
إنها مشكلة نموذج إدارة في بيئة منهكة اقتصاديًا ومجزأة سياسيًا.
وبالتالي، فإن أي حكومة تريد تثبيت حضورها السياسي تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الدولة.
والفرق بين الاثنين كبير.
إدارة الأزمة تعني إطفاء الحريق عندما يشتعل.
أما إدارة الدولة فتعني منع الحريق من التكرار أصلًا.
الاحتجاج على الخدمات قد يتحول إلى احتجاج سياسي
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها السلطة التعامل مع الاحتجاجات الخدمية باعتبارها غير سياسية.
صحيح أن المواطن قد يخرج في البداية بسبب الكهرباء أو المياه، لكنه مع استمرار المشكلة يبدأ بطرح أسئلة أكبر:
من المسؤول؟
أين الموارد؟
لماذا لا توجد حلول؟
لماذا يدفع المواطن ولا يحصل على الخدمة؟
ولماذا تستطيع السلطات تحصيل الأموال ولا تستطيع توفير الخدمات؟
وعندها تتحول المطالب من «نريد كهرباء» إلى «نريد دولة».
وهذه النقلة هي جوهر المسألة.
فالمشكلة لا تكمن في أن المواطن غاضب، وإنما في أن الغضب قد يبدأ بإعادة تعريف علاقته بالسلطة.
«لا توصلونا إلى مرحلة الانفجار».. إنذار ينبغي قراءته سياسيًا
العبارة التي اختتم بها الأموي حديثه، «لا توصلونا لمرحلة الانفجار.. الكيل يطفح ولكل شيء حدود»، ينبغي التعامل معها بحذر ومسؤولية.
ليس لأنها تعني بالضرورة حدوث انفجار سياسي وشيك، فهذا استنتاج لا يمكن الجزم به، وإنما لأنها تكشف عن مستوى الإحباط الذي وصل إليه الخطاب الشعبي.
التجارب السياسية والاجتماعية تؤكد أن الاحتجاجات الكبيرة نادرًا ما تنشأ من سبب واحد.
إنها عادة نتاج تراكم:
فقر، بطالة، غلاء، ضعف خدمات، شعور بالظلم، غياب المساءلة، وانسداد الأفق.
وعندما تتراكم هذه العوامل، تصبح قضية صغيرة قادرة على إشعال غضب أكبر بكثير من حجمها.
وهذا تحديدًا ما ينبغي أن تخشاه السلطات.
المطلوب ليس إسكات الغضب.. بل معالجة أسبابه
أسهل رد على الاحتجاج هو اتهام المحتجين بالمبالغة أو التسييس.
لكن هذا النوع من الردود لا يعالج المشكلة.
حتى لو كان بعض الخطاب الاحتجاجي سياسيًا، فإن السؤال الحقيقي يبقى قائمًا:
هل الكهرباء موجودة؟ هل المياه متوفرة؟ هل الغاز يصل بالسعر العادل؟ هل الشوارع نظيفة؟ وهل يعرف المواطن أين تذهب الإيرادات؟
إذا كانت الإجابة سلبية، فلن تنجح محاولات إسكات الخطاب في إنهاء الأزمة.
لأن المشكلة ليست في الكلمات.
المشكلة في الواقع الذي أنتج الكلمات.
تعز تحتاج إلى عقد خدمات جديد
ما تحتاجه تعز اليوم ليس مجرد حملة نظافة مؤقتة أو زيادة محدودة في ساعات الكهرباء أو شحنة غاز إضافية.
إنها تحتاج إلى عقد خدمات واضح بين الحكومة والمجتمع.
خطة معلنة.
موازنات واضحة.
أولويات محددة.
جدول زمني.
جهة مسؤولة.
ومحاسبة دورية أمام المواطنين.
عندها يمكن للمواطن أن يحاسب على أساس واضح، ويمكن للحكومة أن تثبت أنها تعمل ضمن خطة، لا وفق ردود أفعال مؤقتة.
أما ترك المدينة في دائرة الأزمات المتكررة، فسيجعل كل مشكلة جديدة وقودًا لأزمة ثقة أكبر.
الخلاصة: «صفر خدمات» هو جرس إنذار
المشهد الذي ظهر في تعز لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره فيديو غاضبًا آخر يمر على وسائل التواصل الاجتماعي.
إنه جرس إنذار.
والرسالة التي يحملها ليست موجهة إلى وزير الكهرباء وحده، ولا إلى مؤسسة المياه، ولا إلى الجهة المسؤولة عن الغاز.
إنها موجهة إلى منظومة الحكم بأكملها:
المواطن اليمني لم يعد يريد تفسيرًا للأزمة بقدر ما يريد نهاية لها.
الحرب لا يمكن أن تكون مبررًا دائمًا.
وشح الموارد لا يعفي من الشفافية.
والظروف السياسية لا تلغي المسؤولية.
والاعتراف الدولي لا يعوض غياب الدولة في حياة الناس.
في النهاية، الشرعية السياسية لا تُبنى فقط في العواصم وقاعات المفاوضات، وإنما تُبنى أيضًا في بيت المواطن، وفي صنبور الماء، وفي مفتاح الكهرباء، وفي أسطوانة الغاز، وفي الشارع الذي يمشي فيه كل صباح.
ولهذا فإن عبارة «صفر خدمات.. صفر كرامة» تستحق أن تُقرأ باعتبارها أكثر من شعار.
إنها سؤال سياسي مفتوح أمام حكومة عدن:
إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة، فكيف تريد من المواطن أن يثق بقدرتها على بناء المستقبل؟
والوقت، في مثل هذه الأزمات، ليس حليفًا للسلطة.
فكل يوم إضافي بلا حلول لا يعني استمرار الأزمة فقط، بل يعني أيضًا تآكلًا إضافيًا في رصيد الثقة.
وهذا الرصيد، حين ينفد، قد يكون أصعب بكثير من إعادة تشغيل محطة كهرباء أو توفير شحنة غاز.
لأن الكهرباء يمكن إصلاحها في ساعات، أما ثقة الناس بالدولة فقد تحتاج سنوات.



