لماذا سمحت السعودية للقوات المسلحة الجنوبية أن تتقدم.. ثم قالت لها: ارجعي مكانك؟

تقرير صحفي – عدن الأمل / خاص:

من «تحركوا» إلى «تراجعوا».. ومن الشراكة إلى «هذه المرة الطيران يتكلم»!

هناك مشهد سياسي في اليمن يصلح لأن يكون مادة لفيلم كوميدي أسود:
القوات الجنوبية تقدمت  شرقآ ، وسيطرت على حضرموت والمهرة، ثم فجأة يتغير مزاج المشهد الإقليمي، وتتحول عبارة «تفضلوا» إلى «لو سمحتم.. ارجعوا من حيث أتيتم»!

وهنا يبدأ السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه بصراحة:

إذا كان وجود القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة خطرًا إلى هذه الدرجة، فلماذا لم يكن كذلك قبل أن تصل إليها؟

فخلال ديسمبر 2025م سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على أجزاء واسعة من حضرموت والمهرة، وهما محافظتان تشتركان في الحدود مع السعودية، الأمر الذي أثار مخاوف الرياض بشأن أمنها ونفوذها في شرق اليمن.

ثم جاء المشهد التالي سريعًا:

رسائل سياسية.. مطالب بالانسحاب.. تحذيرات.. ثم قوات «الطورى اليمنية ودرع الوطن».. ثم الطيران الحربي السعودي!

وبحسب تقارير بحثية، دعمت السعودية القوات الحكومية/درع الوطن…، ونفذت الطيران الحربي ضربات ضد مواقع للقوات المسلحة الجنوبية التابعة للانتقالي، قبل أن تنسحب الأخيرة من حضرموت والمهرة خلال الفترة من 3 إلى 5 يناير 2026.

وهنا يحق للمواطن الجنوبي أن يسأل، ولو من باب الفضول السياسي:

هل كانت المشكلة في أن الجنوب تقدم؟

أم في أنه تقدم أكثر مما ينبغي؟

لأن السياسة في منطقتنا أحيانًا تشبه صاحب البيت الذي يقول لضيفه:

«البيت بيتك.. اجلس حيث تشاء».

ثم عندما يجلس الضيف في الصالة يقول له:

الصالة للصالة.. لكن لا تقترب من المطبخ!

وعندما يفتح الضيف باب المطبخ:

أخي الكريم، يبدو أنك فهمت الضيافة بشكل خاطئ !

حضرموت والمهرة.. عندما تصبح الجغرافيا فجأة مسألة أمن قومي… المشكلة أن حضرموت والمهرة ليستا مجرد محافظتين على الخريطة.

هما مساحة جغرافية ضخمة، ولهما موقع استراتيجي وحدود مع السعودية، كما أن حضرموت غنية بالموارد ولها أهمية اقتصادية وموانئ ومنافذ حيوية.

ولهذا، عندما وصلت القوات المسلحة الجنوبية إلى هناك، لم يعد الموضوع بالنسبة للرياض مجرد خلاف يمني داخلي؛ بل أصبح مرتبطًا مباشرة بحسابات الأمن والنفوذ والحدود ومستقبل شكل الدولة اليمنية.

المملكة العربية السعودية قالت إن أمنها القومي «خط أحمر»، بينما رفضت الإمارات الاتهامات السعودية بشأن دعمها العسكري للانتقالي، وفق ما أوردته التقارير في ذلك الوقت.

وهنا تظهر المفارقة:

الجميع يتحدث عن انه مع القضية الجنوبية العادلة، لكن كل طرف إقليمي يريد أن يضمن أن يكون الجنوبي و اليمني الذي يتحرك في الاتجاه الصحيح الذي يتحرك وفق حساباته!

المشكلة ليست في «التقدم».. المشكلة في صاحب التقدم.

وهنا ندخل إلى جوهر الحكاية.

قد يكون من حق أي طرف سياسي أن يقول:

– نريد الجنوب.

– وقد يقول الطرف الآخر:


نريد يمنًا موحدًا.

لكن عندما يصبح الملف عسكريًا، تتدخل حسابات أخرى:
من يسيطر؟

من يملك الحدود؟

من يملك الموانئ؟

من يملك الموارد؟

ومن يستطيع أن يفرض أمرًا واقعًا قبل أن تبدأ التسوية السياسية؟

وهذا بالضبط ما يجعل حضرموت والمهرة أكثر من مجرد «محافظتين».

إنهما جزء من معادلة القوة التي ستحدد شكل اليمن في أي تسوية قادمة.

ومن هنا جاءت رسالة «ارجع مكانك»

بحسب التقارير، تقدمت قوات درع الوطن والطورئ اليمنية المدعومة سعوديًا، مع دعم جوي سعودي، واستعادت مواقع في حضرموت والمهرة، بينما تراجعت قوات المجلس لانتقالي الجنوبي.

وبالمعنى السياسي الساخر:

– كان يمكن للجنوب أن يتقدم.. لكن ليس إلى هذه الدرجة!

– يمكنه أن يكون لاعبًا.

– يمكنه أن يكون شريكًا.

– يمكنه أن يمتلك قوات.

– يمكنه أن يرفع مطالبه.

لكن عندما يصبح اللاعب قادرًا على تغيير خريطة النفوذ في شرق اليمن، تدخل «صافرة الحكم» الإقليمية:

– انتهى وقت اللعب.. الكل يرجع إلى مواقعه!

وهنا لا بد من التوقف عند السؤال الأخطر:

– هل كان المطلوب من الجنوب أن يكون قوة عسكرية بلا مشروع سياسي؟

لأن هذه هي المعادلة التي تبدو أحيانًا في المشهد اليمني:

– قاتل الحوثي.. لكن لا تصبح قويًا جدًا.

– احمِ المناطق.. لكن لا تسيطر عليها أكثر من اللازم.

– طالب بحقوقك.. لكن لا تجعل مطالبك واقعًا جغرافيًا.

– كن شريكًا.. لكن لا تحاول أن تصبح صاحب القرار!

وهذه ليست بالضرورة حقيقة معلنة من جميع الأطراف، لكنها قراءة سياسية محتملة لمسار الأحداث.

والطيران  الحربي السعودي في النهاية يشرح ما عجزت عنه البيانات

عندما تفشل البيانات السياسية في إقناع الطرف الآخر، تأتي الطائرات لتقديم النسخة «المختصرة» من البيان!

وبحسب مركز ACLED، شهدت الفترة بين 2 و4 يناير موجات متعددة من الضربات الجوية دعمت تقدم قوات درع الوطن … واستعادة حضرموت والمهرة.

وبذلك انتقلت الرسالة من:

نرجو الانسحاب إلى:

نرجوكم للمرة الأخيرة ثم إلى:

الطيران الحربي السعودي سيشرح لكم بقية الموضوع!

وهنا تحديدًا تكمن مرارة المشهد.

فالمواطن الجنوبي الذي سمع سنوات طويلة عن الشراكة والتحالف ومواجهة الحوثيين يجد نفسه أمام سؤال بسيط جدًا:

عندما تختلف مع حليفك، هل يصبح حليفك خصمًا؟

والسؤال الأهم:

هل التحالفات في اليمن قائمة على مشروع مشترك، أم على مصلحة مشتركة تنتهي عندما تتغير الحسابات؟

الخلاصة: الجنوب لم يكن المشكلة الوحيدة.. لكنه أصبح مشكلة عندما تغيّر ميزان القوة

المسألة ليست ببساطة أن السعودية «سمحت» للجنوب بالتقدم ثم قررت فجأة قصفه؛ فالأحداث كانت نتيجة تصعيد متدرج، وتنافس داخل المعسكر المناهض للحوثيين، واختلاف سعودي – إماراتي حول النفوذ، وصراع على مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية.

لكن الصورة السياسية الساخرة تبقى واضحة:

عندما كان الجنوب يقاتل في جبهة تخدم التوازن الإقليمي، كان الحديث عن الشراكة.
وعندما بدأ الجنوب يرسم توازنًا خاصًا به في حضرموت والمهرة، أصبح الحديث عن الخطوط الحمراء.

وهنا يجب أن يتعلم الجميع درسًا واحدًا:

الحليف الذي لا يملك مشروعًا مستقلًا يبقى حليفًا ما دام يتحرك داخل مساحة الآخرين.

أما عندما يبدأ في رسم مساحته بنفسه، تبدأ الاجتماعات، ثم البيانات، ثم الوساطات، ثم التحذيرات.

ثم يأتي الطيران ليقول: انتهى الاجتماع!

والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام التاريخ:

هل كانت السعودية تحاول حماية أمنها وحدودها فعلًا، أم إعادة ضبط ميزان القوى في الجنوب قبل أي تسوية سياسية قادمة؟

الإجابة عن هذا السؤال هي مفتاح فهم كثير مما جرى في حضرموت والمهرة.

أما المواطن المسكين، فقد بقي يتفرج على المسرحية نفسها:

طرف يقول «استقلال»، وطرف يقول «وحدة»، وطرف ثالث يقول «أمن قومي».

وفي النهاية المواطن يقول:

«يا جماعة.. قبل الدولة المستقلة والدولة الاتحادية والدولة الموحدة، ممكن تعملوا لنا دولة فيها كهرباء وراتب وماء»؟

إعداد:
الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس صحيفتي عدن الأمل، وعرب تايم، ومحرر في عدة مواقع أخبارية.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار