حين تصبح الشائعة جبهةً أخرى للحرب.. من يُسقط المدن على منصات التواصل؟

موسى المليكي
في اللحظات التي تشتد فيها المعارك، وتعلو أصوات المدافع، وتصبح المعلومة الدقيقة أثمن من أي وقت مضى، تظهر فئة لا تحمل سلاحًا في الميدان، لكنها تمتلك سلاحًا آخر لا يقل خطورة: الشائعة.
منذ الساعات الأولى من صباح اليوم، ومع تصاعد المواجهات في عدد من جبهات غرب تعز، بدأت منصات التواصل الاجتماعي تضج بروايات متسارعة عن سقوط مناطق ومواقع، وذهب البعض إلى الترويج بأن حيس قد سقطت، وأن الخوخة باتت على وشك السقوط، في مشهد يعيد إلى الواجهة ظاهرة باتت تتكرر كلما اشتدت المعارك: تحويل التطورات الميدانية إلى أخبار عاجلة قبل أن تتضح حقيقتها، وتحويل المخاوف إلى يقين، والاحتمالات إلى هزائم مؤكدة.
وهنا يحق للناس أن يسألوا بصوت مرتفع:
من منح هؤلاء حق إعلان نتائج المعارك؟ ومن خوّلهم إصدار الأحكام العسكرية من خلف شاشات الهواتف؟
الميدان له رجاله وقياداته، وله حساباته المعقدة التي لا تظهر في منشور على منصة اجتماعية ولا في تسجيل صوتي متداول. وحتى إذا حدث تراجع في موقع أو تغير في خطوط التماس، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار الجبهة أو سقوط المنطقة بأكملها. التقييم العسكري مهمة القيادة العسكرية، وليس مهمة صفحات التواصل ولا هواة التحليل اللحظي.
المشكلة ليست في نقل الخبر فحسب، وإنما في الطريقة التي يجري بها التعامل معه.
فخبر غير مؤكد يتحول خلال دقائق إلى “معلومة مؤكدة”، ثم تتحول المعلومة إلى “انهيار”، ثم يتحول الانهيار إلى توقع بسقوط مدن أخرى، لتبدأ بعدها موجة من الخوف والارتباك، وكأن المطلوب ليس نقل ما يحدث على الأرض، وإنما إنتاج حالة نفسية تسبق الأحداث وتضاعف آثارها.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما يجري.
ففي الحروب، لا تُقاس خطورة الشائعة بعدد كلماتها، وإنما بعدد الأشخاص الذين تصيبهم بالهلع، وبمقدار الإرباك الذي تحدثه في المجتمع، وبقدرتها على ضرب المعنويات وخلق حالة من فقدان الثقة.
الجبهة العسكرية قد تكون في مواجهة مباشرة مع الخصم، لكن الجبهة النفسية مفتوحة على الجميع.
ولهذا فإن من يروّج خبرًا عسكريًا غير موثق، وهو يعلم أنه قد يؤدي إلى نشر الذعر وإرباك الناس، لا يمكن التعامل مع فعله باعتباره مجرد “حرية تعبير” أو “سبق صحفي”. المسؤولية هنا أكبر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمناطق تشهد مواجهات فعلية، وبمدنيين يتابعون الأخبار بحثًا عن الحقيقة والخلاص من الخوف.
لقد شهدنا في السابق نماذج مشابهة، حيث جرى إسقاط مديريات ومناطق إعلاميًا قبل أن تسقط ميدانيًا، وكأن بعض الحسابات دخلت في سباق لإعلان الهزيمة قبل أن تتضح نتائج المعركة.
بالأمس كان الحديث عن مديريات جبل حبشي، واليوم تنتقل الروايات إلى حيس، ثم الخوخة، وغدًا قد تكون هناك منطقة أخرى على قائمة “السقوط الإعلامي”.
والسؤال هنا ليس فقط: ما صحة هذه الأخبار؟
بل السؤال الأخطر:
لماذا هذا الاستعجال في إعلان الهزيمة؟
لماذا لا ينتظر من يدّعي امتلاك المعلومات حتى تتحدث المصادر الرسمية أو تتضح الصورة من الميدان؟ لماذا يتحول كل تطور عسكري إلى مادة للتهويل؟ ولماذا يصبح أسوأ احتمال هو الرواية الأسرع انتشارًا؟
ليس المطلوب من أحد أن يخفي الحقائق، ولا أن يجمّل الواقع، ولا أن يمنع النقد أو التساؤل. بل المطلوب هو شيء أبسط وأكثر أهمية: أن يُقال للناس ما هو مؤكد، وأن تُترك التكهنات لأصحابها، وأن يتوقف تحويل المخاوف إلى أخبار.
فالشفافية لا تعني الفوضى، والحق في التعبير لا يعني الحق في اختلاق الوقائع.
وإذا كانت هناك خسائر أو تراجعات أو مواقع تغيرت السيطرة عليها، فمن واجب الجهات المختصة أن توضح ذلك للرأي العام بالقدر الذي تسمح به الاعتبارات العسكرية والأمنية. أما أن يترك الناس أمام فراغ معلوماتي، ثم يُترك هذا الفراغ للشائعات كي تملأه، فذلك خطأ لا يقل خطورة عن الشائعة نفسها.
الدولة مطالبة اليوم بأن تستعيد زمام المبادرة الإعلامية.
ليس بالمنع العشوائي، ولا بمطاردة كل منتقد، وإنما بإيجاد خطاب رسمي سريع وموثوق، يضع الحقائق أمام الناس، ويقطع الطريق على الأخبار المفبركة، ويكشف مصادر المعلومات المضللة، ويحاسب ــ وفق القانون ــ من يتعمد نشر الأكاذيب والتحريض وإرباك الجبهة.
وفي المقابل، تقع مسؤولية أخلاقية كبيرة على النشطاء والإعلاميين ومالكي الصفحات والمنصات.
ليس كل ما يصل إلى هاتفك خبرًا.
وليس كل تسجيل صوتي مصدرًا.
وليس كل صورة دليلًا.
وليس كل حديث منسوب إلى “مصدر عسكري” معلومة عسكرية.
وفي زمن الحرب، إعادة نشر معلومة غير مؤكدة قد تكون أخطر من كتابتها للمرة الأولى.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن المعركة لا تُخاض فقط في الخنادق والجبال والطرقات، وإنما تُخاض أيضًا في الوعي.
الخصم يحتاج إلى انتصار في الميدان، لكن قد يكفيه أحيانًا أن ينجح في إقناع الناس بأن الهزيمة وقعت بالفعل.
وهنا يجب أن يتوقف كل من يوزع الهزائم بالمجان.
لا تمنحوا أحدًا انتصارًا إعلاميًا قبل أن يتحقق ميدانيًا.
ولا تحولوا كل تراجع إلى انهيار، ولا كل اشتباك إلى سقوط، ولا كل تحرك عسكري إلى كارثة.
دعوا الميدان يتحدث، ودعوا القيادة العسكرية تقيّم، ودعوا الحقيقة تأخذ وقتها.
أما أولئك الذين يستيقظون مع كل معركة ليصنعوا موجة جديدة من الرعب، ثم ينتقلون من منطقة إلى أخرى بحثًا عن “سقوط جديد” يعلنونه على صفحاتهم، فعليهم أن يدركوا أن الناس لم تعد بحاجة إلى مزيد من المرجفين.
الناس بحاجة إلى الحقيقة.
والجبهة بحاجة إلى الهدوء.
والدولة بحاجة إلى إعلام مسؤول.
أما الشائعة، فإنها لا تنتصر في معركة، لكنها تستطيع أن تزرع ألف هزيمة في العقول.
فلا تسقطوا المدن بالكلمات، ولا تهزموا الجبهات قبل أن تنتهي المعارك.
إن كانت هناك حقيقة فلتُعلن بوضوح، وإن كانت هناك معركة فليترك تقديرها لأهلها، وإن كان هناك خطأ فليُحاسب المسؤول عنه وفق القانون.
أما صناعة الهلع، وترويج الشائعات، وإرباك الناس في لحظة حساسة، فليس بطولة إعلامية ولا وطنية.
إنها جبهة أخرى يجب أن تُدار بالعقل والمسؤولية، لا بالتهويل والانفعال.



