10 ملايين لتحرير 40 مليونًا… وبعدها سلمونا الدولة أيضًا!

تقرير صحفي : الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
في واحدة من أغرب المعادلات السياسية والعسكرية، يبدو أن هناك من يتعامل مع الجنوب وكأنه شركة مقاولات عسكرية مجانية: قرابة 10 ملايين جنوبي مطلوب منهم أن يخوضوا معركة تحرير نيابةً عن أكثر من 40 مليونًا، ثم يعودون من الجبهة ليسألوا بكل براءة: «أين الدولة»… فيأتيهم الرد: «شكرًا على الخدمة، المناصب محفوظة لغيركم».
المعادلة، بحسب هذا المنطق، بسيطة جدًا:
الجنوبي يقاتل، والجنوبي يدفع الثمن، والجنوبي يحرر… ثم يأتي غيره ليستلم مفاتيح المكتب!
وكأن المطلوب من أبناء الجنوب أن يقوموا بكل شيء: تحرير الأرض، حماية الحدود، خوض المعارك، تقديم التضحيات، ثم تسليم النتيجة جاهزة ومغلفة، مع بطاقة تهنئة تقول: «مبروك… لقد حررتم لنا دولتنا».
والأطرف أن بعض الخطابات السياسية تتحدث وكأن 10 ملايين جنوبي يمتلكون عصا سحرية تستطيع تحرير 40 مليون إنسان، بينما الملايين في الشمال لا يطلب منهم سوى الانتظار حتى تنتهي «خدمة التحرير»!
هنا يصبح السؤال الساخر مشروعًا:
إذا كان الشمال يريد تحرير أرضه، فلماذا لا تكون معركة تحريره مسؤولية أبنائه أولًا؟
ولماذا يُطلب من الجنوب أن يدفع فاتورة معركة لا يملك قرار نهايتها؟
المشكلة ليست في أن يقف الجنوبي إلى جانب أي قضية عادلة، ولا في مساعدة أي طرف يواجه خطرًا حقيقيًا، وإنما في تحويل الجنوب إلى جيش احتياط دائم: عندما تبدأ المعركة يُقال له «تقدم»، وعندما تقترب لحظة النتائج يُقال له «ارجع مكانك»… والأكثر طرافة أن السيناريو لا ينتهي عند القتال.
فبعد انتهاء المعارك، يبدأ الفصل الثاني من المسرحية:
شكرًا يا أبطال… الآن اتركوا الكراسي، فالإدارة لها أصحابها!
أي أن المطلوب ليس فقط أن يقاتل الجنوبيون بالنيابة عن الآخرين، بل أن يسلموا أيضًا ما تبقى من القرار السياسي والمناصب ومؤسسات الدولة لمن لم يدفع ثمن المعركة!
وهنا تبدو المعادلة كأنها صفقة سياسية عجيبة:
– الجنوبي يقدم الدم… وغيره يقدم البيانات.
– الجنوبي يذهب إلى الجبهة… وغيره يذهب إلى المنصب.
– الجنوبي يحرر… وغيرُه يحكم.
وبهذه الطريقة يتحول شعار «الوحدة والشراكة» إلى نسخة ساخرة من الشراكة التجارية: طرف يتحمل الخسائر، وطرف آخر يتولى توزيع الأرباح!
لكن السياسة، مهما طال دورانها، لا تستطيع أن تبني مستقبلًا مستقرًا على قاعدة أن طرفًا يقاتل دائمًا وطرفًا آخر يحصد دائمًا.
الجنوب، إن كان مطلوبًا منه أن يتحمل مسؤولية عسكرية وسياسية بهذا الحجم، فمن الطبيعي أن يسأل عن حقوقه، وقراره، ومستقبله، وموقعه في أي تسوية قادمة.
أما فكرة:
«حرروا لنا… قاتلوا بدلًا عنا… ثم سلمونا الدولة والمناصب»،
فهي ليست شراكة سياسية بقدر ما تبدو، في ميزان السخرية، مثل إعلان وظيفة غريب جدًا:
– المطلوب: 10 ملايين مقاتل.
– المهمة: تحرير 40 مليونًا.
– الراتب: تضحيات.
– المكافأة: لا توجد.
– المناصب: ستوزع لاحقًا… على المتقدمين غير المشاركين في المعركة!
وهنا ربما حان الوقت لإعادة كتابة قواعد اللعبة:
من يريد التحرير، فليشارك في حمل عبئه. ومن يريد الشراكة، فليقبل بالشراكة الحقيقية… أما أن يكون الجنوب هو اليد التي تقاتل، ثم يصبح مجرد متفرج عندما تفتح أبواب الدولة، فهذه ليست شراكة… هذه كوميديا سياسية طويلة، لكن ثمن تذاكرها يُدفع بالدم.



