تعز.. حين يتحول الحصار إلى ذاكرة وطن

موسى المليكي

ليست تعز مدينةً عابرةً في جغرافيا اليمن، ولا اسماً يُضاف إلى قائمة المدن التي مرّت بها الحروب ثم انطفأت أخبارها. تعز حكاية وطنٍ كامل، وذاكرة شعبٍ عرف كيف يدفع أثماناً باهظة من أجل أن تبقى كرامته حاضرة، وكيف يحوّل المحنة إلى معنى، والحصار إلى شهادة، والألم إلى ذاكرة لا يستطيع الزمن محوها.

في تعز، لا تبدو الجغرافيا مجرد جبال وطرقات وأحياء وبيوت. كل حجر يحمل قصة، وكل شارع يحتفظ بظل الذين مروا منه، وكل نافذة تعرف شيئاً عن سنوات الخوف والانتظار. هناك، حيث أثقلت الحرب كاهل الناس، لم يكن الصمود شعاراً يُرفع في المناسبات، بل كان جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: أمّ تحاول حماية أطفالها، وأب يبحث عن قوت أسرته، وطالب يتمسك بكتابه، وطبيب يواصل عمله، ومدرسة تصر على فتح أبوابها، ومدينة بأكملها تحاول أن تقول إن الحياة يمكن أن تستمر حتى في أكثر الأزمنة قسوة.
تعز ليست مجرد مدينة حوصرت؛ إنها مدينة اختُبرت.
اختُبرت في أمنها، وفي اقتصادها، وفي طرقها، وفي مستشفياتها، وفي مدارسها، وفي قدرة أهلها على الاحتمال. ومع ذلك ظلت حاضرة في المشهد اليمني بوصفها واحدة من أكثر المدن التي دفعت كلفة الحرب من أمنها واستقرارها ومواردها البشرية.
وحين تضيق الحياة على الناس، يصبح الصمود شيئاً مختلفاً عن الخطابات. يصبح رغيفاً يُقتسم بين أفراد الأسرة، ودواءً يبحث عنه الناس في مدينة أنهكتها الحرب، وماءً يصل بعد ساعات من الانتظار، وطريقاً يقطعه المواطن بصعوبة كي يصل إلى عمله أو مستشفى أو جامعة.
تلك هي تعز التي لا تظهر دائماً في الصور الكبيرة.
تعز التي تعرفها الأمهات أكثر مما يعرفها السياسيون، ويعرفها المرضى أكثر مما يعرفها المتحدثون، ويعرفها الطلاب الذين اضطروا إلى مواصلة تعليمهم وسط سنوات من الاضطراب.
لقد حاولت الحرب أن تجعل من الإنسان رقماً، لكن تعز أعادت للإنسان اسمه ووجهه وذاكرته.
مدينة في مواجهة مشروع الحرب
لم تكن معركة تعز مجرد صراع على شارع أو حي أو مرتفع جبلي. بالنسبة لكثير من أبنائها، كانت المعركة مرتبطة بسؤال أكبر: أي يمن يريدون أن يعيشوا فيه؟
هل هو يمن الدولة أم يمن الجماعة؟
هل يكون المواطن متساوياً في حقوقه وواجباته، أم يصبح الانتماء السياسي أو السلالي أو المناطقي معياراً للامتياز؟
هل تكون المؤسسات العامة ملكاً للمجتمع، أم تتحول إلى أدوات في يد القوة المسلحة؟
هذه الأسئلة هي التي جعلت تعز حاضرة في النقاش اليمني طوال سنوات الحرب.
وفي قلب هذا المشهد برز الحوثيون بوصفهم القوة التي سيطرت على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد، وفرضت واقعاً عسكرياً وسياسياً غيّر مسار الدولة اليمنية. أما تعز، فقد تحولت إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة، ودفع سكانها ثمناً إنسانياً هائلاً نتيجة استمرار القتال والحصار وتدهور الخدمات.
لكن مأساة تعز لا ينبغي أن تُختزل في أرقام الضحايا أو صور الدمار.
فهناك مأساة أخرى أكثر هدوءاً وأشد امتداداً: جيل نشأ وهو يعرف الحرب قبل أن يعرف السلام، وأطفال كبروا وهم يميزون أصوات القصف قبل أن يتعلموا معنى الأمان، وأسر تغيرت حياتها إلى الأبد بسبب فقدان قريب أو إصابة أو نزوح أو فقر.
وهنا تحديداً تصبح تعز قضية تتجاوز السياسة.
إنها قضية الإنسان اليمني.
الحصار لا يختبر الجغرافيا وحدها
حين تُحاصر مدينة، لا تُحاصر شوارعها فقط.
يُحاصر اقتصادها، وتُستنزف مستشفياتها، وتتراجع مدارسها، وترتفع كلفة الغذاء والدواء، وتصبح المسافة القصيرة رحلة شاقة. وفي المدن التي تعيش الحرب لسنوات، لا يعود الحصار مجرد إجراء عسكري؛ بل يتحول إلى واقع اجتماعي طويل الأمد يترك آثاره في حياة أجيال.
وهذا ما يجعل تجربة تعز جديرة بأن تُقرأ بعيداً عن المبالغات والشعارات.
فالصمود الحقيقي ليس أن يموت الناس من أجل الحرب، وإنما أن يظلوا متمسكين بالحياة رغم الحرب.
أن يفتح المعلم كتابه.
أن يعود الطبيب إلى مستشفاه.
أن يحمل الأب كيس الخبز إلى منزله.
أن تجلس الأسرة حول مائدة بسيطة، حتى وإن غاب عنها أحد أفرادها.
أن يذهب الطالب إلى جامعته.
أن تبقى المرأة قادرة على صناعة الأمل داخل بيت أرهقته الأخبار.
ذلك هو الانتصار الإنساني الذي لا تستطيع المدافع احتسابه.
تعز التي رفضت أن تصبح مجرد هامش
لطالما كانت تعز حاضرة في الثقافة والتعليم والسياسة والحياة المدنية اليمنية. ولهذا فإن محاولة اختزالها في صورة مدينة حرب تظلم تاريخها قبل حاضرها.
هذه مدينة أنجبت المعلمين والمثقفين والأطباء والكتاب والمهندسين والسياسيين، وكانت لعقود مساحة واسعة للحركة الثقافية والمدنية.
ومن هنا يمكن فهم سبب حساسية المعركة حولها.
فحين تُدمر مدرسة، لا يتضرر جدار فقط؛ بل تتضرر فرصة طفل.
وحين يغلق طريق، لا تتوقف حركة المركبات وحدها؛ بل تتعطل حياة أسر.
وحين يتراجع الاقتصاد، لا يخسر التاجر وحده؛ بل تتسع دائرة الفقر في مجتمع بأكمله.
وحين يصبح السلاح هو اللغة الأولى، تتراجع لغة الدولة والقانون والمؤسسة.
لهذا فإن قضية تعز ليست قضية انتصار طرف على طرف بقدر ما هي قضية استعادة الحياة الطبيعية لمدينة عانت أكثر مما ينبغي.
من جبل صبر إلى ذاكرة اليمن
يقف جبل صبر فوق تعز شاهداً على مدينة تعلمت طوال تاريخها أن تصعد.
وما أجمل أن يكون الجبل استعارة لمدينة لا تزال تبحث عن طريقها إلى المستقبل رغم ثقل الماضي.
تعز لا تحتاج إلى أسطورة جديدة بقدر ما تحتاج إلى إنصاف تاريخها الإنساني.
تحتاج إلى أن تُفتح الطرق.
تحتاج إلى مستشفيات قادرة على العمل.
تحتاج إلى مدارس آمنة.
تحتاج إلى اقتصاد يستطيع أن يعيد للناس قدرتهم على بناء حياتهم.
تحتاج إلى دولة تحمي المواطن بدلاً من أن تتركه رهينة لموازين القوة.
وتحتاج، قبل كل شيء، إلى سلام لا يكون مجرد هدنة مؤقتة بين جولات القتال، بل سلاماً يعيد الاعتبار للقانون والمؤسسات وحقوق الناس.
لن تنتصر مدينة إذا انتصر فيها الخوف
لقد علمت الحرب اليمنيين درساً قاسياً: لا يمكن بناء وطن من خلال القوة وحدها.
قد تستطيع البندقية أن تفرض واقعاً لفترة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع دولة قابلة للحياة.
وقد تستطيع جماعة مسلحة السيطرة على مدينة أو مؤسسة، لكن السيطرة لا تعني بالضرورة الشرعية الاجتماعية، كما أن فرض الأمر الواقع لا يلغي حق الناس في دولة عادلة ومتساوية.
ومن هنا فإن مستقبل تعز لا ينبغي أن يُكتب بلغة الثأر، وإنما بلغة الدولة.
لا بلغة الانتقام، وإنما بلغة العدالة.
ولا بلغة الكراهية، وإنما بلغة المصالحة الوطنية التي لا تعني نسيان الضحايا، بل تعني وضع نهاية لمسار يجعل الضحايا يتكاثرون.
فالتاريخ لا يكرّم المدن لأنها قاتلت إلى الأبد، بل لأنه يتذكر المدن التي استطاعت أن تخرج من الحرب وهي أكثر تمسكاً بالحياة.
تعز ليست كهفاً ولا ساحة غنائم
كل مشروع سياسي يريد أن يعيش في اليمن عليه أن يدرك أن المدن ليست غنائم.
تعز ليست ملكاً لجماعة، ولا صنعاء ملكاً لجماعة، ولا صعدة ملكاً لجماعة، ولا عمران ملكاً لجماعة.
اليمن كله ملك لأبنائه.
هذه الحقيقة البسيطة هي التي يجب أن تعود إلى مركز النقاش.
لا يمكن أن تكون الجغرافيا معياراً للحقوق، ولا السلاح مصدراً دائماً للسلطة، ولا النسب بطاقة عبور إلى الحكم، ولا الحرب طريقاً طبيعياً لبناء المستقبل.
وإذا كانت تعز قد دفعت ثمناً باهظاً، فإن تكريم تضحياتها لا يكون بإطالة الحرب، بل بمنع تكرارها.
فالدم اليمني، في تعز وصنعاء وعدن وصعدة والحديدة ومأرب وإب وكل مدينة وقرية، أغلى من أن يتحول إلى وقود دائم لصراعات لا تنتهي.
وستبقى تعز شاهدة
سيأتي يوم تُطوى فيه صفحات الحرب.
سيأتي جيل من أطفال تعز لا يعرف من الحصار إلا ما قرأه في كتب التاريخ.
وسيصبح الحديث عن الحواجز والطرق المغلقة والقصف والنزوح جزءاً من ذاكرة مرحلة انتهت.
لكن السؤال الذي سيبقى هو: ماذا تعلمنا؟
هل تعلمنا أن الوطن لا يُبنى بالإقصاء؟
هل تعلمنا أن الدولة أقوى من الجماعة حين تكون مؤسساتها عادلة؟
هل تعلمنا أن السلاح قد يربح معركة، لكنه لا يستطيع أن يربح المستقبل وحده؟
وهل تعلمنا أن المدن التي تحملت الحرب تستحق بعد الحرب أن تحصل على فرصة حقيقية للحياة؟
تعز تقول ذلك بصمتها قبل كلماتها.
تقول إن الإنسان يستطيع أن يتعب، لكنه لا ينبغي أن يُطلب منه أن يعتاد الخوف.
وتقول إن المدينة يمكن أن تُحاصر، لكن إرادة أهلها في الحياة لا يمكن أن تُحاصر إلى الأبد.
وتقول إن الجبال قد تحمل آثار القصف، والطرقات قد تحمل ندوب الحرب، والبيوت قد تفقد أصحابها، لكن الذاكرة تبقى قادرة على إعادة بناء ما تهدم في الوعي.
تعز ليست مجرد نقطة على خارطة اليمن.
إنها واحدة من أكثر صفحات اليمن وجعاً وإصراراً على الحياة.
وإذا كان التاريخ سيكتب يوماً قصة هذه السنوات، فلن تكون تعز هامشاً في الصفحة.
ستكون في قلبها.
لكن أعظم ما يمكن أن تكتبه تعز في مستقبلها ليس عدد المعارك التي خاضتها، ولا عدد السنوات التي صمدت فيها، وإنما اليوم الذي تستعيد فيه شوارعها هدوءها، ومدارسها عافيتها، ومستشفياتها قدرتها، وأسواقها حركتها، وبيوتها أمنها، ويستطيع أطفالها أن ينظروا إلى الجبل لا بحثاً عن مصدر للخطر، بل باعتباره الجبل الذي يحرس مدينة قررت أخيراً أن تترك الحرب خلف ظهرها.
عندها فقط، سيكون لصمود تعز معناه الكامل.

وعندها فقط، لن تكون حكاية تعز حكاية مدينة نجت من الحرب فحسب، بل حكاية مدينة ساهمت في تذكير اليمن كله بأن الوطن لا يُختزل في بندقية، وأن الكرامة لا تحتاج إلى كراهية، وأن أقوى انتصار يمكن أن تحققه مدينة أنهكتها الحرب هو أن تستعيد حقها الطبيعي في الحياة.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار