حكاية من تعز تختصر معنى التضحية وتكشف عمق المأساة

موسى المليكي

في تعز، حيث امتزجت سنوات الحرب بتفاصيل الحياة اليومية، لا تأتي بعض القصص من خلف المكاتب ولا تُكتب في البيانات الرسمية، بل تولد في الميدان، على سرير جريح، أو في بيت أسرة أنهكتها الحرب، أو في موقف عابر يكشف أكثر مما تستطيع الخطب الطويلة أن تقوله.
ومن بين هذه المواقف، تبرز قصة جريح من جبهات تعز، حين جاءه مدير مديرية جبل حبشي الشيخ فارس المليكي، حاملاً مبلغاً مالياً رمزياً مقدماً من رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، تقديراً لشجاعته وتضحياته.
كان يمكن للمشهد أن ينتهي عند حدود التكريم وتسليم المبلغ، كما يحدث في مناسبات كثيرة. لكن الجريح اختار أن يمنح اللحظة معنى آخر. وبحسب الرواية المتداولة عن الواقعة، قال إن المبلغ مقبول، لكنه طلب أن يُوجَّه إلى شراء الذخائر للجبهة.
قد تبدو العبارة قصيرة، لكنها تحمل خلفها سنوات من الحرب، وآثاراً جسدية ونفسية واجتماعية لا تختصرها الكلمات.
فالجريح الذي يفترض أن يكون هو الطرف المحتاج إلى الرعاية، يقدّم، في هذه الرواية، ما تلقاه من مساعدة لصالح رفاقه في الميدان. وهنا تتجاوز الحكاية قيمة المبلغ نفسه؛ إذ تتحول إلى صورة عن علاقة معقدة بين الإنسان والحرب، وعن مجتمع ظل يدفع أثماناً باهظة طوال سنوات الصراع.
تعز ليست مجرد اسم على خريطة الحرب اليمنية. إنها مدينة ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بمشاهد الحصار والمواجهات والنزوح والدمار، كما ارتبط بسرديات الصمود والمقاومة والتضحيات. وبين هذه الصور المتناقضة، بقي الإنسان هو الرقم الأكثر حضوراً والأقل ظهوراً في كثير من الأحيان.
الجريح في هذه القصة ليس مجرد مقاتل أصيب في إحدى الجبهات؛ إنه إنسان يحمل في جسده أثراً مباشراً للحرب. وكل إصابة من هذا النوع تفتح أسئلة أوسع من حدود المعركة: ماذا عن مستقبل الجريح؟ ماذا عن أسرته؟ ماذا عن العلاج وإعادة التأهيل؟ وماذا عن الأطفال الذين يكبرون في ظل أخبار القصف والجبهات والخسائر؟
لهذا، فإن قيمة مثل هذه المواقف لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها مشهداً من مشاهد الشجاعة، بل باعتبارها نافذة على حجم التضحيات التي تركتها الحرب خلفها.
وفي الوقت نفسه، فإن عودة الحديث عن إسناد الجبهات من أبناء تعز تكشف استمرار حضور العامل العسكري في حياة المدينة، رغم مرور سنوات طويلة على اندلاع الصراع. فالحديث عن الغذاء والذخيرة والمرابطين ليس مجرد تفاصيل لوجستية؛ إنه انعكاس مباشر لاستمرار الحرب وانعكاساتها على المجتمع.
وإذا كانت هذه القصة تعبّر عن وفاء الجريح لرفاقه، فإنها تضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية موازية: أن يكون تكريم الجرحى أكثر من مبلغ رمزي، وأن تتحول رعاية من دفعوا ثمن الحرب من أجسادهم إلى سياسة مستدامة تشمل العلاج والتأهيل والدعم الاقتصادي والاجتماعي.
فالجريح لا يحتاج فقط إلى شهادة تقدير، بل يحتاج إلى مستشفى يستطيع أن يعالجه، وتأهيل يساعده على استعادة حياته، ودخل يحفظ كرامة أسرته، ومستقبل لا يشعر فيه بأن إصابته كانت نهاية لدوره في المجتمع.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة في القصة: رجل أصيب في الحرب، وحين قُدّم إليه مبلغ للتكريم، نظر إلى الجبهة قبل أن ينظر إلى احتياجاته الخاصة.
إنها صورة تختصر جانباً من ثقافة التضحية التي نشأت في سنوات الصراع، لكنها في الوقت نفسه تذكير بأن استمرار الحرب يعني استمرار إنتاج قصص جديدة من الجرحى والأسر المكلومة والنازحين.
تعز، في النهاية، لا تحتاج إلى مزيد من الحكايات عن عدد الذين فقدوا أطرافهم أو أحباءهم بقدر ما تحتاج إلى أن تتحول تلك الحكايات إلى مسؤولية عامة تجاه الإنسان.
وفي كل مرة يُكرَّم فيها جريح، يجب ألا يكون السؤال فقط: ماذا قدم هذا الرجل؟
بل أيضاً: ماذا قدمنا نحن له بعد أن دفع ثمن الحرب؟
تلك هي الزاوية الأعمق في قصة جريح تعز. فالمبلغ قد يكون رمزياً، والكلمات قد تكون عابرة، لكن خلف المشهد إنسان اختبر الحرب بجسده، ومجتمع ما زال يعيش آثارها، ودولة تُختبر قدرتها على تحويل التقدير من موقف رمزي إلى رعاية حقيقية تحفظ للضحايا حقهم في الحياة والكرامة.
ولعل أقسى ما في الحكاية أن الجريح لم يسأل أولاً عما سيعود إليه من التكريم، بل فكّر في الجبهة ورفاقه.
لكن الأهم، بعد كل هذه السنوات، أن يتذكر الجميع أن خلف كل جبهة إنساناً، وخلف كل جريح أسرة، وخلف كل بندقية قصة حياة كان يمكن أن تكون مختلفة لولا الحرب.
وهنا يصبح تكريم الجرحى الحقيقي أكبر من مبلغ، وأبقى من صورة، وأعمق من بيان: أن يجد الإنسان الذي دفع من جسده ثمناً للحرب طريقاً واضحاً للعودة إلى حياة كريمة وآمنة.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار