اليمن بين حربٍ لا تنتهي ونصرٍ لا يأتي

موسى المليكي
لماذا تحوّل الصمود من وسيلة لاستعادة الدولة إلى حالة انتظار مفتوحة؟
هناك سؤال يزداد إلحاحاً كلما طال أمد الحرب اليمنية: كيف يمكن لقوة عسكرية أن تخوض حرباً طويلة، وتمنع خصمها من تحقيق الحسم، لكنها في الوقت نفسه تعجز عن تحويل هذا الصمود إلى تغيير استراتيجي في ميزان القوة؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يتجاوز لغة الاحتفال بالمعارك اليومية، وأن ينتقل إلى مستوى أعمق: مستوى الاستراتيجية.
فالحرب لا تُقاس فقط بعدد المواقع التي جرى الدفاع عنها، ولا بعدد الهجمات التي أُحبطت، ولا بحجم الخسائر التي ألحقها كل طرف بالآخر. الحرب تُقاس أيضاً بمن يفرض إيقاعها، ومن يحدد مكانها وزمانها، ومن يملك القدرة على تحويل قوته العسكرية إلى مكاسب سياسية وجغرافية قابلة للاستمرار.
وهنا تكمن المعضلة اليمنية.
منذ سنوات، تحولت جبهات مأرب وتعز والجوف والضالع وغيرها إلى خطوط تماس طويلة، تتغير حدتها من وقت إلى آخر، لكنها لا تنتج بالضرورة تغييراً حاسماً في الخريطة السياسية والعسكرية. والأمم المتحدة نفسها ظلت ترصد نشاطاً عسكرياً متقطعاً وتحركات للقوات في عدد من هذه الجبهات، قبل أن تحذر في سبتمبر 2026 من تحول التصعيد الأخير إلى عودة فعلية للقتال واسع النطاق.
وهذا يعني أن اليمن لا يعيش مجرد حرب بين جبهتين؛ بل يعيش أزمة استراتيجية ممتدة، حيث يستطيع كل طرف تعطيل الطرف الآخر بدرجات مختلفة، بينما يدفع المجتمع اليمني الثمن الأكبر.
الصمود ليس هو النصر
الصمود العسكري قيمة لا يمكن إنكارها. فهو الذي يمنع انهيار الجبهة، ويحمي المدن، ويمنح القوات الوقت لإعادة التنظيم، ويحرم الخصم من تحقيق أهدافه.
لكن الصمود، مهما طال، لا يتحول تلقائياً إلى نصر.
يمكن لجبهة أن تصمد عاماً أو عشرة أعوام، من دون أن تتغير المعادلة السياسية التي أنتجت الحرب.
وهذه هي النقطة التي تستحق نقاشاً أكثر صراحة في الحالة اليمنية.
فالاحتفال بصد هجوم، أو استعادة موقع تكتيكي، أو منع تقدم في محور معين، قد يكون إنجازاً عسكرياً مهماً في لحظته، لكنه لا يجيب عن السؤال الاستراتيجي الأكبر: ما الذي تغيّر في ميزان الحرب؟
هل تغيرت قدرة الخصم على فرض شروطه؟
هل تغيرت خريطة السيطرة بصورة جوهرية؟
هل أصبح الطرف المدافع قادراً على فرض مسار سياسي مختلف؟
هل تحولت القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي مستدام؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإننا أمام إدارة للصراع، لا أمام نهاية له.
وهنا تحديداً يجب التمييز بين المعركة والحرب.
المعركة قد تُربح في جبل أو وادٍ أو مدينة، لكن الحرب تُحسم عندما تتغير قدرة أحد الطرفين على الاستمرار وفرض إرادته السياسية.
مشكلة اليمن ليست غياب الشجاعة
المفارقة اليمنية أن البلاد لا تعاني من نقص في الرجال الذين يقاتلون.
بل ربما كانت المشكلة، في مراحل كثيرة، أن الشجاعة الفردية والجماعية سبقت بناء الاستراتيجية الموحدة.
المقاتل في الخندق لا يستطيع وحده أن يحدد أهداف الحرب.
واللواء العسكري لا يستطيع بمفرده صياغة سياسة الدولة.
والقائد الميداني لا يستطيع أن يعالج الانقسامات السياسية التي تتجاوز حدود جبهته.
لهذا فإن اختزال مأزق الحرب في «نقص الشجاعة» ظلم للجنود، كما أن اختزاله في «تفوق الخصم» تبسيط لمشكلة أكثر تعقيداً.
المشكلة الأساسية تتعلق بقدرة القوى المناهضة للحوثيين على العمل ضمن رؤية سياسية وعسكرية واقتصادية متماسكة.
فالقوة العسكرية تصبح أكثر فاعلية عندما تخدم هدفاً سياسياً واضحاً، وعندما تعرف الوحدات المختلفة أين تبدأ مهماتها وأين تنتهي، ومن صاحب القرار النهائي، وما الذي سيحدث في اليوم التالي لأي تقدم ميداني.
وهذا الجانب الأخير هو الذي كثيراً ما يغيب عن النقاش اليمني.
فاستعادة الأرض ليست مجرد عملية عسكرية.
إنها أيضاً سؤال عن الإدارة والأمن والخدمات والاقتصاد والسلطة المحلية، وعن قدرة الدولة على ملء الفراغ فور انتهاء المعركة.
الطيران وحده لا يصنع النصر
من السهل القول إن غياب الإسناد الجوي هو سبب الجمود.
والحقيقة أكثر تعقيداً.
لقد أثبتت تجربة اليمن نفسها أن القوة الجوية تستطيع تغيير ميزان معركة، وتعطيل خطوط إمداد، وضرب أهداف عسكرية، وفرض كلفة على الخصم. وقد بدأت الحملة التي قادتها السعودية عام 2015 أساساً بحملة جوية واسعة هدفت إلى دفع الحوثيين إلى التراجع واستعادة الحكومة المعترف بها دولياً، لكن سنوات الحرب لم تنتج الحسم السياسي والعسكري الذي كان متوقعاً في بدايتها.
وهنا تكمن العبرة.
القوة الجوية أداة استراتيجية، وليست استراتيجية مكتملة.
فالطائرة تستطيع تدمير هدف؛ لكنها لا تستطيع وحدها السيطرة المستدامة على مدينة.
والصاروخ يستطيع ضرب موقع؛ لكنه لا يستطيع إدارة مؤسسة حكومية.
والطائرة المسيّرة تستطيع الاستطلاع أو الضرب؛ لكنها لا تستطيع وحدها فرض نظام سياسي مستقر.
ولهذا فإن الحديث عن «الطيران» يجب ألا يتحول إلى اختزال للحرب في التفوق الناري. فالتجربة اليمنية أظهرت أيضاً الكلفة الإنسانية والسياسية الهائلة للحرب الجوية، فيما بقيت القضية الأساسية: كيف تتحول القوة العسكرية إلى تسوية تنهي الحرب بدلاً من إطالة عمرها؟
الحوثيون لم يصبحوا قوة يستحيل هزيمتها
من الخطأ المقابل تصوير الحوثيين باعتبارهم قوة خارقة لا يمكن كسرها.
لكن من الخطأ أيضاً التقليل من قدرتهم على التكيف.
فالجماعة راكمت خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وتنظيمية، واستفادت من الجغرافيا، وشبكات محلية، وقدرات صاروخية ومسيّرة، ومن واقع الانقسام السياسي والعسكري في المعسكر المقابل.
كما أن الحديث عن الدعم الإيراني يحتاج إلى تمييز بين أشكال الدعم المختلفة وبين درجة استقلال القرار الحوثي؛ فالمصادر الدولية تشير إلى الدعم العسكري الإيراني للجماعة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن طبيعة العلاقة ليست ببساطة علاقة «وكيل ومشغّل» بالمعنى التقليدي.
وهذا التفصيل مهم، لأن فهم الخصم يبدأ من فهم حقيقي لطبيعة قوته، لا من وصفه بعبارات أيديولوجية فقط.
الجغرافيا التي تحمي المدافع قد تتحول إلى سجن استراتيجي
تعز مثال صارخ على هذه المعضلة.
مدينة محاصرة أو جبهة صامدة يمكن أن تتحول إلى رمز للمقاومة، لكنها قد تبقى في الوقت نفسه محكومة بالجغرافيا نفسها التي جعلت منها موقعاً دفاعياً مهماً.
والسؤال ليس فقط: كيف نحمي تعز؟
السؤال الأهم هو: كيف تتحول تعز من جبهة صمود إلى عنصر في تسوية وطنية أوسع؟
الأمر نفسه ينطبق على مأرب والجوف والساحل الغربي وغيرها.
فكل جبهة يجب أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من منظومة، لا جزيرة عسكرية مستقلة.
وقد حذّر المبعوث الأممي مراراً من أن التصعيد في جبهة واحدة يمكن أن يمتد إلى جبهات أخرى، كما أكد أن خطوط التماس بقيت عرضة للاشتباكات والقصف والتحركات العسكرية حتى خلال فترات الهدوء النسبي.
وهذا يعني أن اليمن لا يحتاج فقط إلى قوات تقاتل بشجاعة، بل إلى عقل استراتيجي يربط الجبهات بالسياسة والاقتصاد والمجتمع.
المعركة التي لم تُحسم: معركة القيادة
ربما يكون السؤال الأصعب هو: من يقرر الحرب؟
فكلما تعددت مراكز القرار، أصبحت الجبهة أكثر هشاشة.
وكلما أصبحت القوة العسكرية مرتبطة بمراكز نفوذ متعددة، صارت عملية بناء استراتيجية وطنية شاملة أكثر صعوبة.
وهنا تظهر الحاجة إلى مفهوم مختلف للقيادة العسكرية: ليس المقصود مجرد توحيد غرف العمليات، بل بناء سلسلة قرار وطنية واضحة، تُخضع السلاح للقرار السياسي للدولة، وتربط كل تحرك ميداني بهدف وطني قابل للقياس.
فالقيادة الموحدة ليست شعاراً.
إنها منظومة استخبارات، ولوجستيات، واتصالات، وإمداد، وتخطيط، وقرار سياسي، وإدارة للمناطق التي تتغير فيها السيطرة.
ومن دون هذه المنظومة، يمكن أن تتحول «العملية الشاملة» التي ينادي بها البعض إلى مجرد مجموعة من الهجمات المتزامنة، لا إلى استراتيجية حسم.
لماذا لم تتحول الانقسامات الحوثية المحتملة إلى انهيار؟
السؤال الآخر الذي يجب طرحه هو: إذا كانت الجماعة قد تحملت كل هذه السنوات من الحرب، فما الذي يجعل انهيارها تلقائياً بمجرد تعرضها لضغط عسكري أكبر؟
الإجابة ليست بسيطة.
فالحركات المسلحة لا تنهار بالضرورة عندما تخسر بعض المواقع أو القادة. وقد تستطيع إعادة إنتاج نفسها من خلال شبكات اجتماعية وأمنية واقتصادية، أو الانتقال من الدفاع إلى حرب استنزاف طويلة.
وهنا يصبح هدف الحرب مهماً للغاية.
إذا كان الهدف هو استعادة العاصمة فقط، فذلك هدف عسكري وجغرافي.
أما إذا كان الهدف هو استعادة الدولة، فذلك مشروع سياسي وأمني ومؤسسي يبدأ قبل دخول العاصمة ولا ينتهي عندها.
صنعاء ليست نهاية الحرب؛ قد تكون بداية أصعب مرحلة فيها.
من يربح معركة الرواية؟
الحرب لا تجري في الجبال وحدها.
هناك حرب أخرى تجري في العواصم، وفي غرف الأخبار، وعلى شاشات التلفزيون، ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية الرواية السياسية.
لقد تمكن الحوثيون، على مدى سنوات، من تقديم أنفسهم باعتبارهم طرفاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله. وفي المقابل، ظل المعسكر المناهض لهم يعاني من تعدد الخطابات والمشاريع والأجندات.
وهذا لا يعني أن المجتمع الدولي «منح الحوثيين الشرعية» ببساطة.
فالاعتراف السياسي والتعامل التفاوضي لا يعنيان بالضرورة تأييداً سياسياً.
لكن واقع التفاوض الدولي يؤكد حقيقة مهمة: الجهة التي تملك قوة ميدانية وتنظيماً سياسياً وقدرة على التأثير في الأمن الإقليمي تصبح جزءاً من حسابات المجتمع الدولي، مهما كانت طبيعة الخلاف معها.
ومنذ الهدنة التي بدأت في أبريل 2022، ظل المجتمع الدولي يدفع باتجاه تثبيت التهدئة واستئناف المسار السياسي، فيما استمرت الجبهات في حالة هدوء هش قابل للانفجار.
وهنا لا تكفي الشكوى من «ازدواجية المعايير».
المطلوب هو بناء قدرة سياسية يمنية تجعل العالم مضطراً إلى التعامل مع مشروع الدولة اليمنية باعتباره الطرف الأكثر وضوحاً وتنظيماً وقدرة على تقديم تصور قابل للحياة.
لا يمكن استعادة الدولة بعقلية الجبهة فقط
الدرس الأهم ربما هو أن الحرب اليمنية لم تعد حرب مواقع فحسب.
إنها حرب على الدولة.
على الاقتصاد.
على المؤسسات.
على الموارد.
على الشرعية السياسية.
وعلى تعريف اليمن نفسه.
ولهذا فإن أي مشروع لإنهاء سيطرة الحوثيين لا يستطيع أن يقوم على البندقية وحدها.
إن استعادة مؤسسات الدولة تتطلب جيشاً وطنياً، واقتصاداً قابلاً للحياة، ومؤسسات قادرة على دفع الرواتب، وقضاءً يعمل، وأجهزة أمنية خاضعة للقانون، وسلطة محلية تستطيع تقديم الخدمات، ومساراً سياسياً يعالج جذور الصراع.
وإلا فإن أي تقدم عسكري قد يتحول إلى بداية لصراع جديد.
الهجوم الذي يحتاجه اليمن ليس مجرد هجوم عسكري
ربما هنا ينبغي إعادة تعريف كلمة «الهجوم».
الهجوم الاستراتيجي لا يعني بالضرورة فتح عشرات الجبهات وإغراق البلاد في دورة جديدة من الدماء.
الهجوم الحقيقي يمكن أن يكون هجوماً على الجمود.
هجوماً على الانقسام.
هجوماً على الاقتصاد المنهار.
هجوماً على تعدد مراكز القرار.
هجوماً على الفساد.
هجوماً سياسياً ودبلوماسياً لإعادة تعريف القضية اليمنية باعتبارها قضية دولة ومؤسسات وسيادة، لا مجرد ملف أمني بين جماعات مسلحة.
وعندما يصبح القرار السياسي موحداً، والقرار العسكري منضبطاً، والمؤسسات الاقتصادية قادرة على الصمود، والدبلوماسية تتحرك ضمن هدف واحد، عندها فقط تصبح القوة العسكرية جزءاً من استراتيجية وطنية، لا بديلاً عنها.
اليمن لا يحتاج إلى حرب بلا نهاية
الحقيقة التي ينبغي ألا تضيع وسط الخطاب الحماسي هي أن اليمنيين دفعوا ثمناً هائلاً خلال أكثر من عقد من الصراع.
وحتى عندما تتغير خطوط النار، يبقى المدنيون في قلب الكلفة.
وقد شدد المبعوث الأممي في سبتمبر 2026 على أن التصعيد الأخير أدى إلى سقوط مدنيين ونزوح أسر وتضرر بنى تحتية، محذراً من أن استمرار القتال سيجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.
لذلك فإن السؤال الوطني الصحيح ليس:
هل يستطيع اليمنيون القتال؟
لقد أثبتوا أنهم يستطيعون.
وليس السؤال:
هل يمكن فتح جبهة جديدة؟
يمكن دائماً فتح جبهة جديدة.
السؤال الأصعب هو:
هل يمكن تحويل القوة العسكرية والسياسية والاجتماعية اليمنية إلى مشروع واحد قادر على إنهاء الحرب وبناء الدولة؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
فاليمن لا يحتاج إلى انتصار تكتيكي جديد يضاف إلى أرشيف الانتصارات المؤقتة.
إنه يحتاج إلى تغيير في قواعد اللعبة.
يحتاج إلى قيادة تتجاوز الجغرافيا والمناطقية، ومؤسسات تتجاوز الولاءات، ورؤية سياسية لا تنفصل عن الواقع العسكري، واستراتيجية تفاوض لا تجعل السلام غطاءً للجمود، ولا تجعل الحرب غاية في ذاتها.
أما تحويل كل أزمة إلى دعوة لمزيد من التصعيد، فذلك قد يعيد إنتاج المأساة نفسها بصورة أكثر دموية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة وحدها لا تكفي، وأن التفاوض وحده لا يكفي، وأن الصمود وحده لا يكفي.
المعادلة التي تبحث عنها اليمن ليست بين الحرب والسلام فقط؛ بل بين قوة قادرة على حماية الدولة، وسياسة قادرة على بناء الدولة، ومؤسسات قادرة على إبقاء الدولة قائمة بعد توقف الحرب.
وعندها فقط يمكن أن يصبح الحديث عن استعادة صنعاء حديثاً عن استعادة الدولة، لا مجرد تغيير في خطوط الجبهة.
فالعاصمة لا تُستعاد بالوصول إليها وحده.
العاصمة تُستعاد عندما تصبح الدولة التي تمثلها أقوى من الحرب التي أسقطتها.
هذه الصياغة مناسبة لافتتاحية عربية لأنها تحافظ على نبرة حادة ومجادِلة، لكنها تتجنب تحويل المقال إلى دعوة عملياتية مباشرة لتصعيد عسكري؛ كما أنها تفصل بين الوقائع الميدانية والاستنتاجات الاستراتيجية.



