الحارقة.. حين يتحول الذهب إلى جبل يأكل أبناءه

موسى المليكي

في الحارقة، لم يعد الذهب وعدًا بالخلاص، ولا ثروةً تنتظر من يكتشفها، بل صار وجهًا آخر للمأساة اليمنية.
هناك، في جبال أفلح الشام بمحافظة حجة، لا يلمع المعدن الأصفر كما في أحلام الباحثين عن الثراء؛ بل يلمع فوق ركام بيوت فقيرة، وفوق أيدي عمال أنهكهم الفقر، وتحت أقدام رجال دخلوا الأنفاق بحثًا عن غرامات قليلة، فعاد بعضهم جثثًا، بينما بقي آخرون ينتظرون مصيرهم تحت أطنان من الصخور والتراب.
في أحدث فصول هذه المأساة، انهار منجم تقليدي في منطقة الحارقة بينما كان نحو عشرين شخصًا بداخله. وتشير أحدث المعلومات المنشورة إلى انتشال جثامين ستة منهم، فيما بقي أربعة عشر آخرون عالقين تحت الأنقاض، وسط جهود إنقاذ محلية تفتقر إلى المعدات المتخصصة.
لكن السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط صراخ الحجارة ليس فقط: كيف انهار المنجم؟
السؤال الأهم هو: كيف وصل اليمنيون إلى اللحظة التي أصبح فيها البحث عن حفنة من الذهب مغامرةً بالحياة؟
جبل من الذهب.. وجبل من الحرمان
الحارقة ليست قصة منجم وحسب. إنها قصة منطقة عاشت طويلًا على مفارقة قاسية: أرض يقال إنها تخبئ الذهب، وسكان يبحثون عن أبسط مقومات الحياة.
وتعود أعمال التنقيب في المنطقة إلى سنوات طويلة، فيما تشير تقارير سابقة إلى أن شركة كندية عملت في منجم الحارقة منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل توقف أعمالها بعد سيطرة الحوثيين على السلطة في 2014. كما تحدثت تقارير عن احتياطيات جيولوجية كبيرة في المنطقة، وإن كانت تقديرات الكميات والقيمة الاقتصادية تختلف باختلاف المصادر.
ومع توقف النشاط المنظم، لم تختفِ شهية الناس إلى الذهب؛ بل ظهرت صورة أخرى أكثر قسوة: عمال وفقراء يحفرون بأيديهم، وبأدوات بدائية، داخل شبكة من الأنفاق والأخاديد التي تتوسع عامًا بعد عام، بحثًا عن شيء قد يمنح الأسرة قوت يومها.
إنه اقتصاد الضرورة، حين يتحول الجبل إلى آخر بنك للفقراء.
لكن الجبل، مهما أغرى الناس بما يخفيه، لا يعرف الرحمة.
من رزق الناس إلى صراع على الذهب
بحسب روايات محلية متداولة، تصاعد خلال السنوات الماضية صراع على السيطرة على عمليات استخراج الذهب في الحارقة، وتحدث الأهالي عن تدخل جماعة الحوثيين في نشاط المنقبين وفرض إتاوات ونسب من الإنتاج.
هذه الروايات تحتاج إلى تحقيق مستقل وشهادات موثقة حتى تتحول من إفادات محلية إلى وقائع مثبتة، لكنها تفتح الباب أمام السؤال الأكبر: من يملك ثروة الأرض في مناطق الحرب؟ ومن يقرر أين تذهب عائداتها؟
فالذهب، في أي بلد طبيعي، يفترض أن يكون موردًا عامًا يخضع للقانون والرقابة، وتعود عائداته على الدولة والمجتمع المحلي، وترافق استخراجه معايير للسلامة والبيئة وحقوق العمال.
أما في اقتصاد الحرب، فقد يتحول المورد الطبيعي إلى غنيمة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
ليس الخطر فقط في أن يحفر عامل فقير نفقًا غير آمن، وإنما في أن يصبح غياب الدولة والقانون والرقابة هو القاعدة، وأن تتحول الثروات الطبيعية إلى مجال مفتوح للقوة والنفوذ والجباية، بينما يتحمل العمال وحدهم كلفة المخاطرة.
الحفار الذي هز الجبل
تتحدث مصادر محلية عن أن الانهيار وقع بعد أعمال باستخدام آلية ثقيلة داخل الموقع، فيما أشارت رواية محلية أخرى إلى أن إزالة صخرة بواسطة حفار أدت إلى تدحرجها وانهيار أجزاء من المنجم.
وهنا تصبح التفاصيل الفنية أكثر أهمية من كل الخطابات السياسية.
فالجبل الذي حفره الناس طوال سنوات لم يعد كتلة صخرية طبيعية؛ لقد أصبح شبكة معقدة من الأنفاق والتجاويف والأخاديد. وكل تدخل ثقيل في مثل هذا المكان يحتاج إلى دراسة هندسية دقيقة، وإلى معرفة بمسارات الأنفاق، وطبيعة الصخور، ونقاط الضعف، ووسائل تدعيم السقف والممرات.
لكن ماذا يحدث عندما تدخل المعدات الثقيلة إلى منجم بدائي بلا خرائط هندسية واضحة، ولا فرق إنقاذ مجهزة، ولا رقابة فنية حقيقية؟
قد تهتز الصخرة.
وقد يتحرك الجبل.
وقد تختفي حياة عشرين إنسانًا في لحظة واحدة.
وهذا، وفق المعلومات المنشورة عن الحادثة، هو ما حدث في الحارقة.
ستة رحلوا.. وأربعة عشر ينتظرون
في الأخبار، قد تبدو الأرقام باردة:
ستة قتلى.
أربعة عشر عالقًا.
نحو عشرين كانوا داخل المنجم.
لكن خلف كل رقم اسم.
خلف كل اسم أم تنتظر.
وأب يسأل.
وزوجة تراقب الطريق.
وأطفال لا يفهمون لماذا خرج أبوهم بحثًا عن الذهب ولم يعد.
لهذا فإن كارثة الحارقة ليست حادثًا في منجم بعيد فحسب. إنها مأساة إنسانية كاملة.
والأشد إيلامًا أن الأهالي أنفسهم اندفعوا إلى عمليات الإنقاذ بوسائل بدائية، بينما أشارت تقارير إلى أن غياب معدات الإنقاذ المتخصصة وصعوبة الوصول إلى الموقع عقدا جهود إخراج العالقين.
في بلد يملك موارد طبيعية، كان يفترض أن تكون هناك فرق إنقاذ جاهزة لمثل هذه الكوارث.
لكن في اليمن، يبدو أن المواطن قد يجد نفسه مضطرًا إلى إنقاذ أخيه بالأداة نفسها التي حفر بها بحثًا عن لقمة العيش.
حين يصبح الفقر شريكًا في الجريمة
من السهل أن نقول إن هؤلاء العمال أخطأوا عندما دخلوا منجمًا غير آمن.
لكن ذلك لا يكفي.
لأن السؤال الحقيقي: ما البديل الذي كان أمامهم؟
تقارير سابقة عن التنقيب التقليدي في حجة ربطت انتشار هذه الأعمال بالفقر والبطالة، وأشارت إلى أن الباحثين عن الذهب يعملون بأدوات بسيطة ومن دون إجراءات سلامة أو إشراف فني كافٍ.
عندما يختفي العمل، ويتراجع الدخل، وتنهار الخدمات، ويصبح الذهب قريبًا من يد الفقير، فإن المغامرة بحياته قد تبدو له أقل خطرًا من العودة إلى البيت خالي اليدين.
وهكذا يصبح الفقر شريكًا صامتًا في كل كارثة.
ليس لأنه يدفع الناس إلى الموت بإرادتهم، بل لأنه يضيّق عليهم خيارات الحياة حتى لا يبقى أمامهم سوى المخاطرة.
الذهب الذي لم ينقذ أهله
المفارقة الأكثر قسوة في الحارقة أن الذهب لم يكن نادرًا في الروايات التي ارتبطت بالمنطقة، لكن الثراء لم يصل إلى أهلها.
تحدثت تقارير سابقة عن سنوات من التنقيب في المنطقة وعن انتقادات محلية مرتبطة بالخدمات والموارد والعائدات، كما أشارت تقارير محلية إلى أن المنطقة ظلت محرومة من خدمات أساسية رغم النشاط المرتبط بالذهب.
وهنا تتجسد المفارقة اليمنية بأقسى صورها:
أرض غنية.. وأناس فقراء.
جبل يحمل الذهب، لكن أبناءه يبحثون عن أجرة يومية.
ثروة تحت التراب، لكن فوق التراب أسر تكافح لتوفير الطعام والماء والدواء.
ومورد يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية، يتحول في ظروف الحرب إلى سبب إضافي للصراع.
من يحاسب عن الأرواح المدفونة؟
بعد أن تهدأ عمليات الإنقاذ، وبعد انتشال آخر جثة أو ناجٍ، لا ينبغي أن تنتهي القصة.
ينبغي أن تبدأ.
يجب فتح تحقيق مهني ومستقل في أسباب الانهيار.
من قرر إدخال المعدات الثقيلة؟
هل كان الموقع آمنًا؟
هل كانت هناك خرائط للأنفاق؟
هل جرى تقييم هندسي قبل الحفر؟
من كان مسؤولًا عن الموقع؟
هل كانت هناك إجراءات سلامة؟
ولماذا لا توجد فرق إنقاذ متخصصة قادرة على الوصول سريعًا إلى عمال محاصرين تحت الأرض؟
ثم يأتي السؤال الأوسع:
من يملك حق إدارة ثروات الحارقة؟
ومن يملك حق فرض الرسوم والإتاوات؟
وأين تذهب عائدات الذهب؟
ومن يحمي العمال؟
ومن يحمي الأهالي؟
هذه ليست أسئلة ترف سياسي.
إنها أسئلة حياة وموت.
الحارقة ليست حادثًا عابرًا
لقد شهدت اليمن حوادث مرتبطة بالتنقيب التقليدي عن الذهب، وكان من بينها انهيار منجم في حجة أودى بحياة ستة أشخاص في 2025، وفق ما وثقته تقارير صحفية، وهو ما يؤكد أن مخاطر التعدين العشوائي ليست جديدة ولا مفاجئة.
ولهذا فإن مأساة اليوم ليست مجرد انهيار صخري.
إنها نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الفقر، وغياب التنظيم، وضعف الرقابة، وانتشار التعدين غير الآمن، وتحول الموارد الطبيعية إلى جزء من اقتصاد الحرب.
والذين ماتوا في الحارقة لا ينبغي أن يُختصروا في خبر عاجل.
لقد كانوا عمالًا خرجوا بحثًا عن الرزق.
كانوا أبناء أسر.
وكانوا جزءًا من مجتمع رأى في الجبل فرصة للحياة.
لكن الجبل ابتلعهم.
لا تجعلوا الذهب شاهدًا على الجريمة
اليمن ليس فقيرًا بالموارد وحدها، بل فقير في إدارة موارده وحمايتها.
والذهب الموجود في الحارقة، أو في أي منطقة يمنية أخرى، لن يصنع مستقبلًا إذا استمر استخراجه في الظلام، بلا قانون، وبلا سلامة، وبلا شفافية، وبلا عائد واضح على المجتمعات المحلية.
الثروة المعدنية لا تصبح نعمة بمجرد وجودها تحت الأرض.
إنها تصبح نعمة عندما تُدار بالقانون، ويستفيد منها الناس، ويحصل العامل على حقه، وتحفظ حياة الإنسان قبل قيمة المعدن.
أما حين يصبح الإنسان أرخص من غرام الذهب، فهذه ليست ثروة.
إنها كارثة مؤجلة.
وفي الحارقة، لم يعد الجبل يخفي الذهب فقط.
لقد أخفى تحته قصة بلد كامل:
بلدٍ يملك الثروة، لكن أبناءه يموتون وهم يبحثون عنها.
لهذا يجب ألا تُغلق صفحة الحارقة بخبر انتشال الضحايا.
يجب أن تبقى مفتوحة حتى تُعرف الحقيقة كاملة، وحتى يُسأل كل من كان له دور عن مسؤوليته، وحتى يصبح استخراج الذهب نشاطًا منظمًا يحمي الإنسان بدل أن يحوله إلى وقود لصراع الثروة.
فالذهب يمكن استخراجه من الصخور مرة أخرى.
أما الإنسان الذي دفنه الجبل، فلا يمكن إعادته.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار