الاقتصاد الخفي للحوثيين من العملات المشفرة إلى شبكات التهريب وتمويل الحرب

  ناصر العامري

رغم العقوبات المالية التي فُرضت على جماعة الحوثي خلال السنوات الماضية إلا أن تأثيرها على مصادر تمويل الجماعة يبدو محدودا أمام قدرتها المتزايدة على تطوير قنوات بديلة وشبكات مالية معقدة بعيدا عن النظام المصرفي التقليدي
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الحوثيين تمكنوا من بناء منظومة مالية متعددة المسارات تعتمد على شبكات التهريب والسيطرة على مصادر اقتصادية داخل مناطق نفوذهم إلى جانب الاستفادة من قطاع الاتصالات وتوظيف العملات المشفرة في نقل الأموال وتوفير السيولة
وتبرز العملات الرقمية كواحدة من الأدوات التي يُعتقد أن الجماعة وحلفاءها يستفيدون منها في تجاوز بعض القيود المفروضة على التحويلات المالية التقليدية حيث تسمح طبيعة هذه العملات بإجراء تحويلات عبر الحدود دون المرور بالضرورة عبر القنوات المصرفية المعتادة
وفي هذا السياق تبرز شبكة ترون وعملة تيثر المستقرة USDT ضمن الأدوات التي تحظى باهتمام واسع في عمليات نقل الأموال الرقمية نظرا لانخفاض تكاليف التحويل وسرعة تنفيذ المعاملات إضافة إلى ارتباط تيثر بالدولار الأمريكي وهو ما يجعلها أقل تعرضا لتقلبات العملات المشفرة الأخرى
ولا يعني ذلك أن استخدام العملات المشفرة بحد ذاته دليل على ارتباط أي معاملة بالحوثيين أو بعمليات غير قانونية إذ إن هذه الأدوات تستخدم عالميا في معاملات مشروعة وغير مشروعة على حد سواء لكن محل الاهتمام هنا هو كيفية توظيفها عندما ترتبط بشبكات مالية تخضع للعقوبات أو تسعى إلى إخفاء مصادر الأموال ووجهتها
من التحويل الرقمي إلى السيولة النقدية
بحسب المعلومات فإن دورة الأموال تمر بعدة مراحل تبدأ بتحويلات رقمية إلى عناوين ومحافظ يصعب ربطها بصورة مباشرة بهوية المستفيد النهائي ثم يمكن أن تنتقل الأموال بين محافظ متعددة ومنصات تداول مختلفة قبل الوصول إلى مرحلة تحويلها إلى أموال نقدية
وتلعب شبكات الصرافة والتحويلات المالية دورا مهما في هذه المرحلة إذ يمكن تحويل الأصول الرقمية إلى عملات محلية أو أجنبية ثم إعادة توزيعها من خلال قنوات يصعب على أجهزة الرقابة المالية تتبعها بنفس سهولة التحويلات المصرفية التقليدية
وتكمن خطورة هذه المنظومة في قدرتها على فصل الأموال عن مصدرها الأصلي عبر سلسلة من العمليات المالية الأمر الذي يجعل مهمة أجهزة إنفاذ القانون أكثر تعقيدا خصوصا عندما تتداخل العملات المشفرة مع شبكات الصرافة والتهريب
ثغرات منصات التداول
وتشير المعلومات إلى أن بعض منصات تداول العملات المشفرة شكلت خلال السنوات الماضية نقطة عبور لأموال مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات بسبب ثغرات في إجراءات الامتثال ومكافحة غسل الأموال
وتبرز منصة بينانس باعتبارها واحدة من أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم وقد واجهت في فترات مختلفة قضايا وتحقيقات مرتبطة بالامتثال والعقوبات إلا أن ذلك لا يعني تلقائيا أن المنصة تعمل لصالح الحوثيين أو أنها تتعمد تسهيل عملياتهم
المشكلة الأوسع تتمثل في قدرة شبكات التمويل غير المشروعة على استغلال أي ثغرة في النظام المالي العالمي سواء كانت في منصات التداول أو شركات الصرافة أو الوسطاء أو المحافظ الرقمية
الاتصالات مورد اقتصادي وأمني
ولا يتوقف الاقتصاد الخفي عند العملات المشفرة إذ تشير المعلومات إلى أن سيطرة الحوثيين على قطاع الاتصالات في مناطق نفوذهم تمنحهم موردا ماليا مهما فضلا عن السيطرة على بنية تحتية استراتيجية
وتعد شركة يمن نت واحدة من أهم مكونات قطاع الإنترنت في اليمن حيث ترتبط بها حركة واسعة من البيانات والخدمات الرقمية
وتتحدث المعلومات عن استغلال موارد الاتصالات في أنشطة مرتبطة بتعدين العملات المشفرة إلا أن هذه المزاعم تحتاج إلى أدلة تقنية مستقلة يمكن من خلالها تحديد مواقع أجهزة التعدين وحجم الطاقة المستخدمة والجهات المستفيدة منها
وفي حال ثبوت استخدام موارد الاتصالات والكهرباء العامة في عمليات تعدين لصالح جهات نافذة فإن ذلك سيعني أن المواطن اليمني لا يدفع فقط كلفة ضعف البنية التحتية وانقطاع الكهرباء وإنما يتحمل أيضا آثار تحويل موارد عامة إلى أنشطة مالية خاصة
شبهات حول الدعم التقني
وتتحدث المعلومات كذلك عن وجود فرق تقنية تابعة لشركات اتصالات دولية تعمل في اليمن بموجب عقود تجارية لصيانة الشبكات وتطويرها مع وجود شبهات بشأن إمكانية استخدام بعض البنى التقنية في تشغيل خوادم ذات قدرات عالية
لكن هذه النقطة تحديدا تحتاج إلى توثيق مستقل ودقيق قبل توجيه اتهامات إلى شركة أو جهة بعينها لأن وجود موظفين أو فرق صيانة أجنبية في قطاع الاتصالات لا يمثل بحد ذاته دليلا على المشاركة في عمليات تعدين أو تمويل غير مشروع
رسوم على الملاحة مقابل عدم الاستهداف
وفي الجانب البحري تظهر صورة أخرى من الاقتصاد غير الرسمي إذ تتحدث معلومات عن فرض الحوثيين ما وصف برسوم سلامة على بعض السفن ووكلاء الملاحة وشركات التأمين مقابل ضمانات بعدم استهدافها
وتزداد أهمية هذه المزاعم في حال ثبت طلب دفع هذه الأموال عبر محافظ رقمية مؤقتة لأن ذلك يوفر قناة مالية بعيدة عن النظام المصرفي التقليدي ويصعب عملية التجميد أو التتبع
لكن هذه المعلومات تحتاج كذلك إلى توثيق من شركات الملاحة أو وثائق مالية أو بيانات استخباراتية منشورة حتى يمكن تحديد حجم هذه المدفوعات والجهات التي تلقتها وآلية استخدامها
الضغط على التجار ورجال الأعمال
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تبرز أيضا السيطرة على القطاع التجاري باعتبارها مصدرا آخر للتمويل
وتشير المعلومات إلى تعرض رجال أعمال وتجار لضغوط وإتاوات وعمليات ابتزاز مقابل السماح لهم بممارسة نشاطهم التجاري أو حماية مصالحهم وأصولهم
ومع توسع سوق العملات الرقمية فإن امتلاك معلومات عن حركة أموال التجار ومحافظهم الرقمية يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط إضافية على أصحاب رؤوس الأموال وإجبارهم على دفع مبالغ أو التخلي عن جزء من أرباحهم
إيران والعملات المشفرة
ولا يمكن قراءة هذه المنظومة بمعزل عن تطور استخدام العملات المشفرة داخل إيران التي تواجه بدورها عقوبات مالية واسعة
وتبرز منصة نوبيتكس Nobitex الإيرانية في هذا السياق باعتبارها إحدى أكبر منصات تداول العملات الرقمية في إيران وقد ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بتقارير وتحليلات حول مخاطر استخدامها في تحويل الأموال المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات
كما ظهرت تقارير وتحليلات لبيانات البلوك تشين تتحدث عن تحويلات بمبالغ كبيرة مرتبطة بعناوين يُعتقد أنها تابعة لجهات إيرانية أو جماعات حليفة لها
غير أن ربط كل معاملة رقمية بالحوثيين يتطلب أدلة إضافية لأن عنوان المحفظة الرقمية لا يكشف بصورة تلقائية عن هوية الشخص أو الجهة التي تقف خلفه ولذلك تعتمد التحقيقات المتخصصة على الجمع بين تحليل البلوك تشين والبيانات المصرفية والمعلومات الاستخباراتية والوثائق القانونية
العقوبات وحدها لا تكفي
تكشف هذه الصورة أن مواجهة مصادر تمويل الجماعات المسلحة لم تعد تقتصر على مراقبة البنوك والتحويلات التقليدية
فالاقتصاد الرقمي فتح مسارات جديدة تستطيع من خلالها شبكات التمويل التحرك بين العملات المشفرة والصرافة والتهريب والتجارة والعقارات والتحويلات العابرة للحدود
ولهذا فإن فعالية العقوبات لا ترتبط فقط بإدراج الأسماء والكيانات على قوائم العقوبات وإنما بقدرة الجهات الرقابية على تتبع حركة الأموال عبر المنظومة المالية الجديدة وكشف الوسطاء والشركات الوهمية والمحافظ الرقمية وشبكات الصرافة التي تشكل حلقات الوصل بين المال الرقمي والسيولة على الأرض
وفي الحالة اليمنية تبدو المعركة المالية جزءا لا ينفصل عن المعركة العسكرية فكلما نجحت الجماعة في إيجاد مصدر جديد للإيرادات أو قناة جديدة لتحويل الأموال فإن قدرتها على شراء السلاح ودفع الرواتب وتمويل العمليات والحفاظ على شبكات النفوذ تتعزز
ومن هنا فإن تفكيك الاقتصاد الموازي لا يحتاج إلى عقوبات مالية فقط بل إلى تحقيقات مالية متخصصة وتبادل للمعلومات بين الدول ومراقبة دقيقة لسلاسل الإمداد وشبكات الصرافة والتهريب وتحليل مستمر لحركة العملات المشفرة
فالحرب لم تعد تمول بالطرق التقليدية وحدها بل بات لها اقتصاد رقمي خفي يتحرك خلف الشاشات قبل أن يتحول في النهاية إلى أموال وسلاح ونفوذ على الأرض

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار