ما لا تقوله الأشياء… رسالة من اليمن إلى الذين يريدون أن يحكموه!

د. سمير أحمد بوست
في إحدى ليالي عدن، كان طفلٌ يحاول النوم، بينما كانت أمه تُغلق النوافذ وتُطمئنه بأن كل شيء سيكون بخير. لكن أصوات الانفجارات القادمة من بعيد كانت أقوى من محاولات الطمأنة.
رفع الطفل رأسه وسألها: “أمي، هل سيعودون الليلة؟”
احتضنته أمه، ولم تجد جوابًا تقوله.
في تلك الليلة، لم تكن حكاية الخوف في عدن حكاية بيتٍ واحد؛ فقد كانت خلف النوافذ المغلقة أسرٌ تترقب، وقلوبٌ تنتظر أن يمر الليل بسلام، وعيونٌ تخشى أن يحمل الصباح خبرًا جديدًا.
ومن خلف تلك النوافذ المطفأة، بدا كأن صوتًا يخرج من قلب البلاد؛ لا يسمعه الناس بآذانهم، لكنهم يعرفونه في أعماقهم، صوتٌ يهمس في ضمير الجميع قائلًا:
أنا اليمن…
إلى الذين يريدون أن يحكموني، وإلى الذين يرون في السلطة غايةً تستحق كل شيء، أريدكم أن تتوقفوا قليلًا، وأن تنظروا إلى ما يحدث للناس بعيدًا عن حساباتكم وغرف اجتماعاتكم وخطاباتكم.
أنا لست أرضًا تتنازعون عليها، ولا خريطةً تتقاسمون خطوطها، ولا منصبًا يتبدل شاغلوه. أنا بيوتٌ يريد أهلها أن يناموا مطمئنين، وأطفالٌ يتطلعون إلى مستقبلٍ لا تلاحقهم فيه أصوات الحرب، وأمهاتٌ لا ينبغي أن يتحول الخوف إلى جزءٍ من تفاصيل حياتهن اليومية.
إلى الحوثيين على وجه الخصوص، بعد الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي طالت عدن وأثارت الخوف والغضب بين أهلها: ماذا تتركون خلف كل ضربة؟ هل تقيسون نتائجها بما تصيب من أهداف، أم بما تزرعه في نفوس الناس من قلقٍ وخوف، وما تضيفه إلى المسافة المتسعة بينكم وبينهم؟
قد تصل الصواريخ إلى أماكن بعيدة، وقد تُحدث الطائرات المسيّرة أثرًا يتجاوز موقع سقوطها، لكن الوصول إلى مدينة لا يعني الوصول إلى قلوب أهلها، وإظهار القدرة على إيذاء الناس لا يصنع قبولًا، ولا يمنح أحدًا حق الحكم أو شرعيةً في أعينهم.
وقد تسمعون من بعض أبناء عدن من يقول، بمرارةٍ تختصر سنواتٍ من التعب: “قد أصبحنا دامسين”؛ أي اعتدنا الضربات والنكبات، حتى لم تعد تفاجئنا كما كانت من قبل. لكن لا تخلطوا بين الاعتياد والقبول، ولا بين صمت الناس وزوال الألم؛ فليس كل من اعتاد الوجع قد شُفي منه، وليس كل من لم يعد يصرخ لم يعد يتألم.
والمسؤولية هنا ليست متساوية؛ فمن يملك قرارًا أكبر، وأدوات قوة أوسع، وقدرةً أكبر على التأثير في حياة الناس، يتحمل مسؤوليةً أكبر عن نتائج قراراته. وحماية المدنيين ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه في حسابات الصراع، بل واجبٌ لا تسقطه الخصومة ولا تبرره الشعارات.
لكن رسالتي لا تقف عند طرفٍ واحد؛ فإلى كل من يملك سلاحًا أو قرارًا أو نفوذًا، وإلى كل من يطمح إلى أن يكون جزءًا من مستقبل هذا البلد: اسألوا أنفسكم سؤالًا واحدًا، بعيدًا عن لغة الانتصار والهزيمة:
“كيف سيعيش الناس بعد أن تحققوا ما تريدون؟”
هل سيجدون دولةً تحميهم، ومؤسساتٍ تخدمهم، وقانونًا يسري على الجميع؟ أم سيجدون أنفسهم أمام دورةٍ جديدة من الخوف والانتقام والانقسام؟
لا أريد منكم وعودًا جديدة، ولا خطاباتٍ تتحدث عن الوطن فيما تتسع معاناة أبنائه. أريد دولةً لا تُختزل في جماعة، ولا تُدار بمنطق الغلبة، ولا يكون السلاح فيها أعلى من القانون. أريد مؤسساتٍ مسؤولة، وشراكةً لا تقصي أحدًا، وسلطةً تعرف أن خدمة الناس وحماية حقوقهم هي أساس وجودها، لا مجرد وسيلة للوصول إليها.
وأريد منكم أن تفهموا أن السلام ليس كلمةً تُقال حين تتعب الأطراف من القتال، ولا اتفاقًا يُوقّع ثم يُترك الناس لمصيرهم؛ السلام أن يشعر المواطن أن حياته لم تعد رهينة قرارٍ يتخذه غيره، وأن أبناءه يستطيعون الذهاب إلى مدارسهم والعودة إلى بيوتهم دون أن يترقبوا ما قد يحدث في الطريق.
أنا اليمن، وقد أنهكني أن يصبح الخوف لغةً مشتركة بين أبنائي، وأن تتسع المسافات بينهم كلما ارتفعت أصوات السلاح. لا أطلب منكم أن تتفقوا على كل شيء، لكنني أطلب ألا تجعلوا اختلافكم سببًا في ضياع حياة الناس ومستقبلهم.
هذه ليست رسالة خصمٍ إلى خصم، ولا محاولةً لتوزيع الاتهامات بالتساوي؛ إنها رسالة وطنٍ إلى كل من يملك قرارًا قد يغيّر مصير أبنائه.
فحين يسأل طفلٌ أمه كل ليلة إن كان سينام بأمان، لا ينبغي أن يكون الجواب في يد أمه وحدها؛ بل في ضمير كل من يملك قرار الحرب أو السلام.



