مجلس شبوة الوطني العام… من الرؤية إلى التأسيس

د. سمير أحمد بوست

في زمنٍ يعاني فيه اليمن من حالة سيولة سياسية وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة المركزية، تبرز بعض التجارب المحلية كمحاولات جادة لإعادة ضبط البوصلة الوطنية والانطلاق من الواقع نحو بناء ما هو ممكن. ومن بين أبرز هذه المبادرات، يلفت النظر اللقاء الأخير مع الدكتور ناصر أحمد بن حبتور، الأمين العام لمجلس شبوة الوطني العام، الذي بثته قناة “عدن الفضائية “، حيث قدم الرجل خطابًا اتسم بالوضوح والرزانة، وانطلق من عمق الوعي بالواقع، دون شعارات أو انفعالات سياسية.

ما طرحه الدكتور بن حبتور لا يمكن اختزاله في تشكيل كيان سياسي محلي جديد، بل يمكن قراءته كمشروع لإعادة بناء الفكرة الوطنية انطلاقًا من شبوة، المحافظة التي ظلت دائمًا لاعبًا مؤثرًا ومحل أطماع سياسية وجغرافية، لكنها اليوم تحاول أن تتحول من ساحة صراع إلى منصة تنظيم وبناء.

أعجبتني في الطرح عدة أمور: أولها أن المجلس لم يُقدَّم كمنافس لمؤسسات قائمة ولا كسلطة بديلة، بل كمظلة جامعة لأبناء شبوة، تتكئ على شرعية اجتماعية وقانونية واضحة، وتُبنى بأسس تشاركية لا إقصائية. ثانيها، أن الرؤية انطلقت من داخل المحافظة، من الناس والتكوينات المجتمعية والنخب المحلية، وليست مشروعًا مفروضًا من الخارج أو تابعًا لقوى تقليدية.

في الشق القانوني، استند بن حبتور بذكاء إلى الدستور اليمني وقانون السلطة المحلية، والحاجة السياسية، وطرح مفهوم “الشرعية المجتمعية” باعتبارها أداة تنظيم لا تتناقض مع القانون بل تملأ الفراغ الناجم عن غيابه. وهذا الطرح في حد ذاته خطوة ذكية في ظل تعقيد المشهد القانوني في البلاد.

الأهم، أن الخطاب لم يكن انتقاميًا ولا موتوراً، بل عقلانيًا ومتسامحًا. لم يوجه سهامه لأحد، ولم يُغلق الباب أمام أي طرف. قال الرجل بوضوح: “لسنا ضد أحد.. بل مع كل من هو مع العدالة والمشاركة”. وهذه رسالة تطمينية مهمة في ظرف تُغذى فيه الصراعات على قاعدة التخوين والتشظي.

ولمن يتابع تطورات شبوة منذ سنوات، يعلم جيدًا أن المحافظة دفعت ثمنًا باهظًا للصراعات السياسية والعسكرية، وأنها ظلت، رغم كل ذلك، متماسكة نسبيًا بفضل نسيجها الاجتماعي وإرثها التاريخي، واليوم يأتي هذا المجلس كصيغة لتمثيل الجميع دون تمييز أو إقصاء.

في تقديري، مجلس شبوة الوطني العام هو واحد من التجارب القليلة التي تراهن على الداخل، وتستند إلى فكرة “التمثيل القاعدي” الذي يصعد من الناس لا من فوق رؤوسهم، وهي فكرة لا تتناقض مع مشروع الدولة الاتحادية بل تعززه، إن وجدت النية السياسية الصادقة لذلك.

أما التحديات التي تواجه المجلس فهي حقيقية وكبيرة، منها: المحافظة على المكاسب وتطوير الاعتراف والتواصل مع الأطراف السياسية الأخرى، وضمان استمرارية التمثيل الحقيقي، وتحصين الكيان من الانجرار نحو الاستقطابات أو التبعية لأجندات خارجية.

لكن الرصيد الأهم الذي يمكن البناء عليه هو الحاضنة المجتمعية التي تشكلت وبدأت تتسع بوتيرة متنامية، مدفوعة بإجماع غير مسبوق نسبيًا على أهمية وضرورة وجود كيان منظم يُعبّر عن شبوة، ويجسّد تطلعات أبنائها بعيدًا عن الحسابات الفردية والمصالح الحزبية الضيقة.

إننا أمام تجربة جديرة بالمتابعة والتقييم، وربما بالتطوير والتوسيع، لتكون نموذجًا لمحافظات أخرى تبحث عن آليات تمثيل مرنة وفعالة في زمن التحولات الصعبة.

وفي الختام، أقول بثقة:
مجلس شبوة الوطني ليس مجرد كيان سياسي، بل هو رسالة مفادها أن أبناء شبوة قرروا أن يكتبوا قصتهم بأيديهم، لا أن يُكتب عنهم فقط. وإن استطاع هذا المجلس أن يترجم طموحه على الأرض، فإنه سيكون بداية لشيء أكبر بكثير من كيان محلي.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار