صيرة تئن… والعاصمة عدن تصرخ من تحت رماد الغزاة!

تقرير – عدن الأمل/خاص:

كم تمنت صيرة أن تفارق عدن وتدخل البحر إلى حقات عبر المسيلة، تهرب من سم سقوه لها باسم الوحدة، ودواء منتهي الصلاحية دسوه في جسدها باسم الإخاء!

فإما أن تموت بصمت أو تبقى عليلة، تتنفس وجعاً وتعيش نصف حياة في مدينة نهشها الطامعون.

كلمات خالدة كتبها الشاعر الجنوبي الفقيد حسن راجح الصبيحي رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته وجعل قبره روضه من رياض الجنه، في لحظة كان فيها الجنوب يغتال جهاراً نهاراً.
كتبها بعد اجتياح الشماليين للعاصمة عدن في صيف 1994م، لتصبح القصيدة شهادة صادقة على زمنٍ اسود خنق الحلم الجنوبي، وعلق راية “الوحدة” على جدار الخديعة.

كم تمنين من صيرة تفارق عدن،
وتدخل البحر إلى حقات عبر المسيلة،
سمموها، وأعطوها دواء منتهي الصلاحية،
واشتولها الموت أو تبقى معدلة عليلة،
والذي ما كان يعرف شوارع عدن، أصبح اليوم يحكمها بحكم القبيلة!

كانت تلك الكلمات نبوءة شعرية لما حدث لاحقًا، حين تحولت العاصمة عدن من عاصمة المدنية إلى مدينة تدار بالعرف القبلي، ومن ميناء يفتح ذراعيه للعالم إلى ساحة يتقاسمها الناهبون.
الشاعر لم يكن يكتب من خياله، بل من وجعه، من قلب الجنوب الذي نزف حين أُحرقت أحلامه بنار الطغيان.

لقد فهم الصبيحي مبكرًا أن ما جرى لم يكن حرباً سياسية، بل حرب هوية وكرامة ووجود، وأن الجنوب المستهدف ليس أرضاً فقط، بل مشروع حضاري أرادوا طمسه وإبداله بثقافة الغزو والاستعلاء.

اليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، تعود صيرة لتبكي مجددًا، لكن دموعها ليست ضعفاً بل صرخة وعيٍ ورفضٍ وتمردٍ.
تعود قصيدة حسن راجح لتذكر كل جنوبي بأن الجنوب لا يغلب، وأن العاصمة عدن وإن جرحت، ما زالت حية تصرخ في وجه من أرادوا إخضاعها.

فصيرة اليوم لا تريد الهروب من عدن،
بل تريد أن تعيد لها وجهها المشرق،
أن تغسلها من غبار الغزاة،
وتعيد لبحرها لونه الأزرق بعد أن غطّاه السواد.

الشاعر الذي حول الألم إلى ثورة شعرية: حسن راجح الصبيحي، ولدالشاعر في ربوع الصبيحة بمحافظة لحج، في زمن كان فيه الجنوب يصنع وعيه الثقافي والسياسي من رحم المعاناة.
نشأ في بيئة بسيطة، لكنه حمل قلبًا كبيرًا وقلماً لا يعرف الخوف.

تميز بشعره الشعبي الجنوبي القوي، الذي جمع بين النخوة والرفض، بين الحس الإنساني والتمرد الوطني.
لم يكن شاعرًا يبحث عن مجد شخصي، بل كان صوت الجنوب الصادق، الذي قال ما لم يجرؤ كثيرون على قوله.

كتب عن الأرض والبحر، عن الثورة والكرامة، عن العاصمة عدن التي أحبها حد الوجع، وعن الجنوب الذي رآه ينهب أمام عينيه فصرخ بالكلمة قبل الرصاصة.
قصيدته عن صيرة والعاصمة عدن لم تكن مجرد نص أدبي، بل كانت بياناً شعرياً يعلن أن الجنوب لا يموت، وأن الهوية الجنوبية لا تمحى مهما حاول الغزاة تزوير التاريخ.

رحل حسن راجح الصبيحي جسدًا، لكنه ترك إرثاً شعرياً نضالياً يشعل الذاكرة ويزرع الإصرار في قلوب الأحرار، لتظل كلماته تردد في كل بيت جنوبي:

العاصمة عدن لا تحكم بالقبيلة… بل بالعقل والسيادة والكرامة.

إعداد:
الناشط الحقوقي أسعد أبو الخطاب، نائب رئيس تحرير صحيفتي عدن الأمل، عرب تايم، ومحرر في عدد من المواقع الإخبارية المحلية والعربية

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار