غدًا تبدأ امتحانات الثانوية العامة.. فهل نُخرّج علماء أم نُتقن صناعة الغشاشين؟

موسى المليكي

مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة يوم غدٍ، تتجه الأنظار إلى قاعات الامتحان، حيث يُفترض أن تكون ساحةً للتنافس الشريف وإثبات الجدارة العلمية. لكن في المقابل، يطل شبح الغش كل عام ليهدد مستقبل الطلاب ويقوض قيم التعليم، حتى أصبح البعض ينظر إليه على أنه أمر عادي أو وسيلة ذكية للنجاح، بينما الحقيقة أنه أحد أخطر الآفات التي تضرب المجتمع في عمقه.

إن أخطر ما في الغش ليس الورقة التي تُهرّب إلى قاعة الامتحان، ولا الإجابة التي تُنقل خلسة، بل الفكرة التي تُزرع في عقل الطالب منذ الصغر: أن النجاح يمكن أن يتحقق بالكذب والخداع والالتفاف على القوانين. وعندما يقتنع الطالب بهذه الفكرة، فإنه لا يغش في الامتحان فقط، بل قد يحمل هذا السلوك معه إلى الجامعة والوظيفة والحياة بأكملها.

للأسف، لم يعد بعض الآباء والأمهات يكتفون بالتغاضي عن الغش، بل أصبح بعضهم يشجع أبناءه عليه بشكل مباشر أو غير مباشر، تحت ضغط الخوف من الرسوب أو الرغبة في تحقيق معدلات مرتفعة بأي وسيلة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ فعندما يتحول المنزل، الذي يفترض أن يكون مدرسة للأخلاق، إلى منصة لتبرير الغش، فإننا نكون أمام أزمة قيم لا مجرد مخالفة تعليمية.

إن الطالب الذي ينجح بالغش قد يحصل على شهادة، لكنه لا يحصل على علم. وقد يدخل تخصصًا لا يستحقه، ويشغل موقعًا لا يمتلك كفاءته، ليصبح لاحقًا طبيبًا يفتقد المعرفة، أو مهندسًا لا يتقن أساسيات مهنته، أو موظفًا عاجزًا عن أداء واجباته. وهكذا لا تتوقف أضرار الغش عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى المجتمع بأسره.

في المقابل، فإن الطالب الذي يعتمد على جهده، حتى وإن كانت درجاته أقل، يكتسب قيمة أعظم من أي معدل مرتفع، وهي قيمة الصدق والثقة بالنفس وتحمل المسؤولية. فالنجاح الحقيقي ليس في رقم يُكتب على ورقة النتائج، بل في القدرة على مواجهة الحياة بالعلم والاجتهاد والاستحقاق.
ومع اقتراب موعد الامتحانات، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق أولياء الأمور.

فبدلًا من البحث عن وسائل مساعدة غير مشروعة أو تبرير الغش بحجة الظروف الصعبة، يجب عليهم أن يغرسوا في أبنائهم أن النجاح الشريف، مهما كان متواضعًا، أفضل ألف مرة من تفوق مزيف يقوم على الخداع.
كما أن على المعلمين والجهات التعليمية والمجتمعية أن تتكاتف لحماية نزاهة الامتحانات، ليس فقط من أجل ضبط المخالفات، بل من أجل حماية جيل كامل من الانزلاق نحو ثقافة خطيرة تجعل الغش مهارة والصدق ضعفًا.

غدًا لن يكون الامتحان الحقيقي في أوراق الأسئلة فقط، بل في الضمير أيضًا. فإما أن ننتصر لقيم الأمانة والاجتهاد، وإما أن نفتح الباب أمام جيل يعتاد الوصول إلى أهدافه بطرق ملتوية.

إن مستقبل الأوطان لا يبنيه أصحاب الشهادات وحدهم، بل يبنيه أصحاب القيم. ولهذا فإن مكافحة الغش ليست معركة تعليمية فحسب، بل معركة أخلاقية ووطنية تستحق أن يشارك فيها الجميع.

فليتذكر كل أب وكل أم أن مساعدة الابن على الغش ليست مساعدة على النجاح، بل مشاركة في هدم مستقبله خطوة بعد خطوة. وليتذكر كل طالب أن درجة يحصل عليها بجهده وعرق جبينه أشرف وأبقى من مئة درجة يحصل عليها بالغش والخداع.
غدًا تبدأ الامتحانات… فاحرصوا أن يبدأ معها انتصار الأمانة أيضًا.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار