البحر الأحمر على حافة الانفجار.. هل تشعل إيران العالم من باب المندب وهرمز أم تنجح السعودية في كسر استراتيجية الاستنزاف؟

موسى المليكي
لم تعد المواجهة الدائرة في البحر الأحمر مجرد أزمة أمنية عابرة أو صراع إقليمي محدود، بل تحولت إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع الجيوسياسي في العالم. فالمشهد اليوم يتجاوز حدود اليمن والخليج العربي، ليمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وخطوط التجارة الدولية، حيث أصبحت المضائق البحرية أوراقًا استراتيجية قادرة على تغيير موازين القوى الدولية خلال أيام معدودة.
وتقوم إحدى القراءات السياسية للصراع على أن إيران تراهن على استراتيجية “الاستنزاف طويل الأمد”، وهي استراتيجية لا تعتمد على المواجهة العسكرية التقليدية بقدر اعتمادها على إرباك الخصوم واستنزاف قدراتهم الاقتصادية والعسكرية عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة في المنطقة. ووفق هذا التصور، فإن جماعة الحوثي في اليمن تمثل إحدى أهم أدوات الضغط التي تمتلكها طهران في جنوب البحر الأحمر، لما تتيحه من قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فإذا كان مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، فإن باب المندب يشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ويُعد أحد أهم الممرات التي تعبر من خلالها نسبة كبيرة من التجارة الدولية وحركة الطاقة بين آسيا وأوروبا. ومن هنا، فإن أي اضطراب متزامن في هذين الممرين لا يبقى حدثًا محليًا، بل يتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية عالمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
ولهذا السبب، تنظر القوى الكبرى إلى البحر الأحمر باعتباره ساحة ذات أهمية استراتيجية لا تقل عن أهمية مضيق تايوان أو البحر الأسود. فإغلاق الممرات البحرية أو حتى تعريضها لمخاطر مستمرة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وإطالة مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح، وزيادة أسعار السلع عالميًا، فضلًا عن الضغط على أسواق الطاقة التي تتفاعل بسرعة مع أي تهديد لأمن الإمدادات.
وفي حال تصاعدت المواجهة إلى مستويات أكبر، فإن العديد من المحللين لا يستبعدون قفزات كبيرة في أسعار النفط، خاصة إذا تزامنت التوترات في باب المندب مع اضطرابات في مضيق هرمز. مثل هذا السيناريو قد يدفع أسعار الخام إلى مستويات مرتفعة، مع ما يرافق ذلك من موجات تضخم عالمية، وتباطؤ اقتصادي، وضغوط على الحكومات المستوردة للطاقة، فضلًا عن استنزاف جزء من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية التي تلجأ إليها الدول الكبرى لتخفيف آثار الأزمات.
ولا يقتصر تأثير هذه المعادلة على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى الحسابات العسكرية. فالولايات المتحدة، التي تقود جهودًا لحماية الملاحة الدولية، تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على وجود بحري وجوي دائم في أكثر من جبهة، بدءًا من الخليج العربي، مرورًا بالبحر الأحمر، ووصولًا إلى شرق المتوسط والمحيطين الهندي والهادئ. وكلما اتسعت رقعة التوتر، ارتفعت كلفة الانتشار العسكري، وازدادت الحاجة إلى تخصيص موارد إضافية لحماية السفن التجارية والقواعد العسكرية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من المراقبين أن الهدف لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل يتعداه إلى فرض حالة من الاستنزاف المستمر، بحيث تتحول إدارة الأزمة نفسها إلى عبء اقتصادي وسياسي على الخصوم. فكل عملية اعتراض، وكل سفينة حربية إضافية، وكل منظومة دفاع جوي تُنشر في المنطقة، تعني مليارات الدولارات من الإنفاق، واستنزافًا للموارد والجاهزية العسكرية.
وفي المقابل، تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تتعامل مع هذه التحولات بمنظور مختلف، يقوم على الجمع بين الردع العسكري والانفتاح الدبلوماسي. فالرياض تدرك أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية محلية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، ولذلك تعمل على تطوير قدراتها الدفاعية، وتعزيز منظوماتها التقنية والاستخباراتية، ورفع مستوى التنسيق مع شركائها الإقليميين والدوليين لمواجهة أي تهديد محتمل.
كما تستثمر المملكة بشكل متزايد في تحديث قواتها المسلحة، وتطوير قدراتها في الدفاع الجوي والبحري، مع التركيز على امتلاك وسائل ردع قادرة على التعامل مع التهديدات غير التقليدية، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والزوارق المفخخة. ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار الجهود السياسية الرامية إلى تجنيب المنطقة حربًا شاملة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
وتعكس هذه المقاربة إدراكًا بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار، وأن الردع الفعال يقوم على مزيج من الجاهزية العسكرية، والمرونة السياسية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والقدرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التوازن الهش؟ وهل ستظل المواجهة عند حدود الرسائل العسكرية المتبادلة، أم أن خطأً واحدًا أو تصعيدًا غير محسوب قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها؟
الإجابة لا تتعلق بالشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى العواصم الكبرى التي تدرك أن أمن البحر الأحمر والخليج العربي أصبح جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي. فكل سفينة تعبر باب المندب، وكل ناقلة نفط تمر عبر هرمز، تمثل حلقة في سلسلة الاقتصاد الدولي، وأي خلل في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والغذاء والنقل والتجارة في مختلف أنحاء العالم.
وفي النهاية، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الصراع على الممرات البحرية، حيث لم تعد المعارك تُحسم فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في المضائق والموانئ وخطوط الملاحة وأسواق الطاقة. وبين استراتيجية الاستنزاف التي ينسبها بعض المحللين إلى إيران، وسياسات الردع التي تنتهجها الدول الإقليمية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، يبقى البحر الأحمر ساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات، فيما يترقب العالم بأسره ما إذا كانت هذه المواجهة ستظل تحت سقف الاحتواء، أم أنها ستتحول إلى أزمة دولية تعيد رسم خريطة النفوذ والتوازنات في الشرق الأوسط والعالم.



